فيصل الصوفي

فيصل الصوفي

نتف من (الأرض الموعودة)

الثلاثاء 21 ديسمبر 2021 الساعة 05:45 م

منذ أربعة أيام بدأنا القراءة في كتاب صدر هذا العام عن دار نوفل في بيروت.. الكتاب أنيق، وأيضاً ضخم، ففيه سبعة أقسام عدد صفحاتها 814 غير الأوراق الإضافية التي تلي الغلاف الأول وتسبق الغلاف الأخير.. عنوان الكتاب: الأرض الموعودة.. ومؤلفه هو الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأميركية، باراك أوباما.

ليس هو من كتب السير الذاتية أو المذكرات الشخصية، بل هو من الكتب الكتب.. فيه عرض تجربته، وأمراض أميركا، وأسلوبه في تغيير أميركا، والمحن التي مرت به في مجلس الشيوخ والإدارة الكبيرة في العالم، أو قل للعالم.

في البداية مر مسرعاً أمام ما هو شخصي، حيث بين أن جده وجدته أبيضان قدما من أوروبا (إيرلندا)، وأن أمه بيضاء، تعرف عليها رجل أسود من كينيا الإفريقية يدعى حسين أوباما، ثم تزوجا، وحسين هذا هو أب باراك، الذي لا يعرفه جيداً ولا شعر أنه أب، ثم تزوجت أمه بآخر وعاشت معه لبعض الوقت في أندونيسيا.. تعهد جده وجدته العناية به، وأيضاً اعتنت به أمه عندما أخذته معها إلى أندونيسيا.. وأوباما لم يزر كينيا موطن أبيه سوى مرة واحدة، وخلال زمن قصير، عندما ذهب إلى هناك لحضور زفاف أخيه من أبيه، أي أخ غير شقيق.

تحدث أوباما في الكتاب عن الأخطاء التي ارتكبها أثناء الحملات  الانتخابية عندما ترشح أولاً لعضوية مجلس الشيوخ، لكنها لم تحل دون وصوله إلى الكونجرس.. كما ذكر الأخطاء التي وقع فيها أثناء الحملة الانتخابية التمهيدية، أي أثناء المنافسة بين المرشحين من الحزب الديمقراطي، وتلك التي وقع فيها خلال الحملة الانتخابية للانتخابات الوطنية أمام منافسه مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين.

في السباق بين المتنافسين الستة من الديمقراطيين للحصول على أصوات مؤيدي الحزب المشاركين في الانتخابات التمهيدية الحزبية، ألقى أمام المؤتمر الحزبي كلمة لعله يحظى بتقبلهم ترشحه، وبعد الانتهاء منها سأل مدير حملته الانتخابية: هل كانت كلمة جيدة؟ فرد عليه: جيدة، لكن لن تكسبنا صوتاً!

أما أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، فقد ألقى خطاباً في إحدى مقاطعات ولاية بنسلفانيا، وأسمع الطبقة العاملة هناك قوله: ليس من المستغرب إذن أن يشعروا بالمرارة، فهم يتشبثون بالسلاح أو الدين، أو الكراهية تجاه الأشخاص الذين لا يشبهونهم، أو المشاعر المعادية للمهاجرين، أو المشاعر المعادية للتجارة، هي طريقتهم للتعبير عن الإحباط الذي يشعرون به.. كان –كما يبدو يقصد منافسيه الذين لاحظوا تقدمه في بعض الولايات، فلجأوا إلى الحط من شأنه أمام الشعب الأميركي، إذ روجوا في حملاتهم، وفي الصحافة، أن باراك أوباما رجل أسود، ليس مخلصا لأميركا، ولا يصلح لقيادة شعب أكثريته من البيض.. لكنه اكتشف أنه أخطأ، إذ إن الذي كان يخاطبهم شديدو التمسك بالتقاليد، ومعظمهم من البيض، وهم يعتزون بالتسلح.. لذلك أدت عبارته تلك إلى فقد بعض التأييد خاصة بعد أن أكدت المنافسة الديمقراطية هيلاري كلنتون تأييدها لحق الأميركيين في حيازة الأسلحة.. قال أوباما في كتابه إنه بعد هذه الزلة عدل في الخطاب لتصبح العبارة هكذا: من غير المستغرب إذن أن يشعر هؤلاء الناس بالإحباط، وينظروا في التقاليد وطريقة الحياة التي هي عبارة عن ثوابت في حياتهم....

وتحدث في الكتاب عن الحملات الإعلامية العنصرية التي شنت عليه، وعن التضليل الإعلامي والسياسي الذي مورس من قبل خصومه ضده.. وكيف أن عبارة مديح من أبيض تقلب رأساً على عقب عندما يكون الممدوح رجلاً أسود.. فقد أشار إلى أن منافسه جون بايدن لما سئل عن رأيه بباراك أوباما رد بالقول: رجل فصيح، وذكي، ونظيف، وحسن المظهر.. ففسر بعض السود كلام بايدن تفسيراً عنصرياً، إذ قالوا إنه يشير إلى أن خصائص مثل هذه تكون جديرة بالملاحظ في رجل أسود، بينما جون بايدن كان بصدد المديح أو المجاملة، وليس احتقار ذوي البشرة السوداء.