حلَّ رمضان، شهر الرحمة والتكافل، بتوقيتٍ لافت وصول الحكومة اليمنية إلى عدن. في مشهد يحمل دلالة سياسية ورسالة يفترض أن تعني اقتراب القرار من الناس. غير أن المواطن اليمني لا يقيس الأمور بالرمزية ولا بتوقيت الوصول؛ بل يقيسها بسعر كيس الدقيق، وتوفر أسطوانة الغاز، وبقدرة راتبه على الصمود حتى نهاية الشهر امام بقية متطلبات الحياة الضرورية.
رمضان في اليمن ليس موسماً روحياً فحسب، بل امتحاناً معيشياً قاسياً. الأسعار مرتفعة، والعملة تتذبذب، والأسواق تفقد انضباطها، فيما تتضاعف أعباء الناس البسطاء.
لذلك فإن قيمة حضور الحكومة الشرعية لا تُختبر في قاعات الاجتماعات ولا أمام عدسات الكاميرات، بل في تفاصيل الحياة اليومية: فهل سينجح هولاء الوزراء الجدد في حماية العملة من التدهور؟ هل سيفرضون رقابة حقيقية تكبح جشع المحتكرين؟ هل سيضمنون انتظام صرف المرتبات وتحسين الخدمات الأساسية؟
أن كل تأخير في مواجهة الغلاء يعني مائدة أقل امتلاءً وقلقاً أكبر في بيوت أنهكها الانتظار. وكل خطوة عملية لضبط الاسعار وكبح التضخم تعني استعادة جزء من ثقة الناس وهيبة الدولة. فالمعركة اليوم ليست إعلامية، بل اقتصادية خالصة.
وفي الشمال، حيث ترزح المحافظات تحت سيطرة مليشيا الحوثي، تتفاقم المعاناة الإنسانية اكثر وافضع ويتسع نطاق الفقر والجوع وتُستنزف موارد الناس في الجبايات والإتاوات، فيما تغيب مؤسسات الدولة وتُقمع الحريات. هناك لايزال المواطن يدفع الثمن مضاعفاً: غلاءً وقهر وظلم وبطش وانعدام أفق. ومن هنا فإن واجب الحكومة الشرعية لا يقف عند تحسين الأداء في المناطق المحررة فحسب، بل يمتد إلى تحمّل مسؤوليتها الوطنية في العمل الجاد لتحرير ما تبقى من المحافظات، واستعادة مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء، وتقديم نموذج مختلف في الإدارة والعدالة والإنقاذ الاقتصادي، حتى يشعر اليمني في كل الجغرافيا أن له دولة تحميه لا سلطة تثقل كاهله.
اليمنيون لا يطلبون المستحيل؛ بل يريدون نموذج دولة توحّد قرارها، وتخوض معركة اقتصادية وعسكرية حقيقية: حماية للعملة، كبحاً للتضخم، شفافية في المصارحة، وخطوات ملموسة تُرى في الواقع قبل أن تُسمع في البيانات.
أهلاً رمضان… ويا مرحباً بالحكومة إن جاءت لتعمل بحجم الألم لا بحجم الصورة، مرحباً بها إن حضرت في الاسوق قبل المنصة، وفي بيت الفقير قبل شاشة الأخبار.
شهرٌ مبارك، وكل عامٍ وصبر اليمنيين طريقهم إلى صنعاء.
>
