لم يعد البلاستيك في اليمن مجرد مخلفات عابرة تلتقط من شارع أو كيس يرفع من رصيف، بل تحول تدريجياً إلى مشهد يومي يطارد المدن والأحياء والأسواق والأودية والشواطئ، ويكشف عن أزمة أوسع تتعلق بضعف إدارة النفايات وتراجع الوعي البيئي وغياب الحلول المستدامة لإعادة التدوير.
من المدن المكتظة إلى المناطق الساحلية، تتكرر الصورة ذاتها: أكياس بلاستيكية تتطاير مع الرياح، عبوات مياه ومشروبات تتراكم على جوانب الطرق، ومخلفات تصل إلى مجاري السيول والشواطئ، قبل أن تحملها الأمواج إلى البحر أو تعيدها إلى اليابسة.
وفي بعض المناطق الزراعية، لم تعد النفايات البلاستيكية بعيدة عن مصادر المياه أو الأراضي المنتجة، فقد رُصد انتشار الأكياس والعبوات والمخلفات المنزلية في مجاري السيول وبين المزارع، في مشهد يثير مخاوف بيئية وصحية متزايدة.
من منتج يومي إلى أزمة بيئية
أصبح البلاستيك جزءاً أساسياً من الحياة اليومية اليمنية، بدءاً من أكياس التسوق وعبوات المياه، وصولاً إلى مواد التغليف والأدوات ذات الاستخدام الواحد.
لكن المشكلة لا تكمن في استخدام البلاستيك بحد ذاته، بقدر ما تكمن في الطريقة التي ينتهي بها المطاف بهذه المنتجات بعد دقائق أو ساعات من استخدامها.
فغياب منظومة متكاملة لفرز النفايات من المصدر، وجمعها بصورة منتظمة، ونقلها إلى مواقع معالجة آمنة، ثم إعادة تدوير ما يمكن تدويره، يجعل جزءاً من البلاستيك يتحول إلى عبء دائم على البيئة.
ووفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يمثل البلاستيك نحو 10% من مكونات النفايات في اليمن، فيما يمثل الجزء العضوي نحو 65%، وهو ما يوضح أن معالجة أزمة النفايات تحتاج إلى منظومة متكاملة لا تقتصر على جمع القمامة من الشوارع.

الشواطئ.. الوجه الآخر للأزمة
تكتسب مشكلة البلاستيك في اليمن بعداً أكثر خطورة عندما تصل المخلفات إلى البحر.
فاليمن يمتلك ساحلاً طويلاً يمتد على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، ويعتمد آلاف الصيادين والمجتمعات الساحلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الموارد البحرية.
وعندما تصل العبوات والأكياس وشباك الصيد والمخلفات البلاستيكية إلى البيئة البحرية، فإنها لا تختفي، بل يمكن أن تتفتت مع مرور الوقت إلى جزيئات أصغر، لتتحول المشكلة من نفايات مرئية يمكن جمعها إلى تلوث أكثر صعوبة في الرصد والمعالجة.
وتحذر الدراسات الحديثة من أن تفتت البلاستيك إلى جزيئات دقيقة ومتناهية الصغر يمثل تحدياً بيئياً وصحياً، خصوصاً في ظل ضعف أنظمة إدارة النفايات والبنية التحتية في اليمن.
ولا تتوقف الخسائر عند حدود البيئة البحرية، فالملوثات يمكن أن تؤثر في الكائنات البحرية التي تبتلع المخلفات أو تتشابك معها، بما ينعكس في نهاية المطاف على النظم البيئية ومصادر رزق المجتمعات الساحلية.
الحرق.. حل سريع يضاعف المشكلة
أمام تراكم النفايات وغياب وسائل التخلص الآمن، يلجأ البعض إلى حرق المخلفات البلاستيكية باعتبارها الطريقة الأسرع للتخلص منها.
لكن ما يبدو حلاً بسيطاً قد يتحول إلى مشكلة أكثر تعقيداً، إذ يؤدي الحرق غير المنضبط للنفايات إلى إطلاق ملوثات في الهواء، فضلاً عن بقاء الرماد والمخلفات الناتجة عنه في البيئة.
وهنا تصبح الأزمة مزدوجة: البلاستيك الذي لم تتمكن المدينة من جمعه يتحول إلى تلوث في الهواء عندما يُحرق، أو إلى تلوث في التربة والمياه عندما يُرمى بصورة عشوائية.
أزمة بيئية أم أزمة إدارة؟

السؤال الأهم ليس: لماذا يرمي الناس البلاستيك؟
بل: لماذا لا توجد منظومة تجعل إعادة استخدامه أو تدويره أو التخلص الآمن منه خياراً سهلاً ومتاحاً؟ فالوعي الفردي مهم، لكنه وحده لا يكفي.
المواطن الذي يملك سلة نفايات واحدة لجميع المخلفات لا يستطيع عملياً تطبيق نظام فرز متكامل، والمجتمع الذي يفتقر إلى حاويات كافية وخدمات جمع منتظمة، سيجد نفسه أمام مشكلة تتجاوز قدرته الفردية.
ولهذا، فإن أزمة البلاستيك في اليمن ترتبط أيضاً بضعف البنية التحتية لإدارة النفايات، وتراجع الموارد المالية للمؤسسات المحلية، وتضرر الخدمات العامة بفعل سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية.
وقد شهدت بعض المحافظات تدخلات لتحسين إدارة النفايات؛ ففي مأرب، نفذت المنظمة الدولية للهجرة، بدعم من مركز الملك سلمان للإغاثة، مشروعاً لتعزيز خدمات الصرف الصحي وإدارة النفايات الصلبة والسائلة، استفاد منه أكثر من 185 ألف شخص، مع دعم قدرات صندوق النظافة والتحسين.
كما سبق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن دعم مشاريع لإعادة بناء قدرات إدارة النفايات الصلبة في حضرموت، من بينها توفير شاحنات لجمع النفايات في مدينة المكلا.
هل يمكن تحويل النفايات إلى فرصة؟
رغم قتامة المشهد، فإن البلاستيك لا يمثل مشكلة فقط، بل يمكن أن يصبح جزءاً من الحل الاقتصادي إذا جرى التعامل معه باعتباره مورداً قابلاً للاسترداد.
فالتجربة التي أطلقها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في محافظة لحج قدمت نموذجاً في هذا الاتجاه، من خلال إنشاء أول محطة يمنية لتحويل النفايات إلى طاقة، مع تخصيص مسار لمعالجة البلاستيك وتحويل بعض أنواعه إلى حبيبات يمكن استخدامها في منتجات جديدة. واستهدف المشروع أيضاً تقليل كمية النفايات التي تصل إلى مواقع الطمر وخلق فرص اقتصادية.
وهذا يفتح الباب أمام نموذج مختلف: بدلاً من النظر إلى البلاستيك باعتباره قمامة، يمكن التعامل معه كسلسلة اقتصادية تبدأ من الفرز والجمع، مروراً بالنقل والمعالجة، وصولاً إلى إعادة التصنيع.
من المسؤول عن إنقاذ البيئة؟
إنقاذ البيئة اليمنية من الغزو البلاستيكي لا يمكن أن يكون مهمة وزارة أو صندوق نظافة وحده.
الحكومة مطالبة بوضع سياسة وطنية واضحة للحد من البلاستيك أحادي الاستخدام، وتحسين خدمات النظافة، وتطوير التشريعات والرقابة، وتهيئة بيئة مناسبة للاستثمار في إعادة التدوير.
السلطات المحلية تحتاج إلى تعزيز خدمات الجمع والنقل، خصوصاً في المدن الساحلية والمناطق التي تتعرض لتراكم النفايات في مجاري السيول.
القطاع الخاص يستطيع لعب دور أكبر من خلال تقليل التغليف غير الضروري، وإطلاق برامج لاستعادة العبوات، والاستثمار في مصانع الفرز وإعادة التدوير.
المنظمات الدولية والجهات المانحة يمكنها دعم البنية التحتية والتقنيات والتدريب، مع الانتقال تدريجياً من المشاريع المؤقتة إلى حلول طويلة الأمد قابلة للاستمرار.
أما المجتمع، فهو الحلقة التي لا يمكن الاستغناء عنها: تقليل استخدام البلاستيك، إعادة استخدام ما يمكن، عدم رمي المخلفات في الشوارع أو الشواطئ ومجاري السيول، والمشاركة في حملات التنظيف والتوعية.
البداية من كيس واحد
قد يبدو التخلص من كيس بلاستيكي واحد في الشارع فعلاً صغيراً لا يستحق الاهتمام، لكن ملايين الأفعال الصغيرة تصنع في النهاية مشهداً بيئياً كبيراً.
وفي المقابل، فإن منع استخدام الأكياس أو العبوات ذات الاستخدام الواحد بصورة مفاجئة، من دون توفير بدائل وخدمات جمع وإعادة تدوير، لن يكون كافياً.
الحل يحتاج إلى تقليل الاستهلاك، وإعادة الاستخدام، والفرز، وإعادة التدوير، وتحسين الإدارة في وقت واحد.
اليمن أمام اختبار بيئي جديد
الحرب والفقر والأزمات الاقتصادية جعلت البيئة في كثير من الأحيان قضية مؤجلة، بينما تركزت الأولويات على الغذاء والمياه والصحة والأمن.
لكن تأجيل الأزمة البيئية لا يعني اختفاءها، فالنفايات التي تُدفن عشوائياً أو تُحرق أو تُلقى في الأودية والشواطئ ستعود في صورة أخرى: تلوث للمياه، وتدهور للتربة، وضرر للحياة البحرية، ومخاطر صحية، وخسائر اقتصادية تطال الصياد والمزارع والسائح وسكان المدن.
لقد أصبح البلاستيك مرئياً في تفاصيل الحياة اليمنية اليومية، لكن الخطر الحقيقي يكمن في الجزء الذي لا نراه، ذلك الذي يتحلل ببطء ويتحول إلى جزيئات دقيقة، أو ينتقل عبر المياه والسلاسل الغذائية.
وبين شاطئ يتلقى مخلفات المدن، ووادٍ تختنق مجاريه بالأكياس، وحي تتراكم فيه النفايات، تبدو الرسالة واضحة:
البيئة اليمنية لا تحتاج إلى حملة تنظيف عابرة بقدر ما تحتاج إلى سياسة مستدامة لإدارة النفايات.
فالسؤال لم يعد: من ينظف الشوارع والشواطئ؟
بل أصبح: من يوقف البلاستيك قبل أن يصل إليها؟


>