يفضّلون الموت لجوءاً عن البقاء تحت سياط المليشيا.. الهروب اليمني الكبير

تقارير - الأربعاء 25 مايو 2022 الساعة 09:22 ص
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

يبدو أنها لم تعد بالنسبة لليمنيين: 

"بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة 

                 وأهلي وإن بخلوا عليَّ كرام"

يفسر ذلك التهافت المذهل للهروب الكبير من اليمن، الهجرات اليمنية للجوء إلى دول عربية وأوروبية أو أمريكا، الكثير منهم يؤكد بأنه لن يعود، يبحث معظمهم عن التوطين والحصول على جنسية في بلد آخر. 

بدا الأمر طبيعياً بسبب الحرب، وضنك العيش، منذ اجتياح الحوثيين اليمن في العام 2014، غير أن ذلك تفاقم مؤخراً وبات ظاهرة تستدعي الرصد والمتابعة.

المواطنون في الداخل على حد سواء في مناطق الحوثيين أو الشرعية، يعيشون في جحيم ووحشة وفاقة، يحسون أنهم في سجن، يبحثون عن الخلاص في أية لحظة، لم يعد أي منهم يثق بأي مسؤول في أي مكان كان، بل ولم يعد لأي منهم ثقة بأن تتغير الأوضاع حتى مع تشكيل المجلس الرئاسي مؤخراً باستثناء من تربطه مصلحة للبقاء. لقد وصل الأمر حد الإحباط لدى الكثير. 

إن كنت مغترباً، وصادف أن تواصلت مع أحد الأقارب للتحية والسلام في مناسبة دينية أو غير ذلك يقولون لك "انتبه ترجع اليمن" ومثلهم الأصدقاء في الداخل يلحون عليك بذات الطلب. 

هناك الملايين من اليمنيين في مصر عدد كبير منهم لا يرغب بالعودة، والكثير منهم يبحثون عن ملاذ أو ثقب يستطيعون منه النفاذ للحصول على تأشيرة للدخول إلى أمريكا أو أوروبا بحثاً عن وطن جديد. وهناك أرقام قليلة استطاعت الحصول على تلك التأشيرة إما لعمل أو الدخول للدراسة أو لحضور مؤتمرات أو دورات، أو فيزا تابعة للأقارب، ومثلهم في الأردن ومثلهم في السعودية، ومن نال ذلك فهو عندهم كمن مرت عليه ليلة القدر وفتحت له أبواب السماء على مصراعيها لتحقيق أحلامه. 

العام الماضي 2022 دون أكبر رقم لطلبات اليمنيين للحصول على فيزا اليانصيب الأمريكية. 

والعام الماضي أيضا شهد أكبر تسرب لليمنيين المقيمين في ماليزيا للدخول إلى أوروبا وأمريك. 

الكثير من المقيمين اليمنيين لجأ إلى حيلة التقديم للدراسة في أوروبا ودفع مبلغا ضخما كرسوم دراسية للسنة الأولى يصل إلى أكثر من 5 آلاف يورو أحيانا، وبمجرد دخوله وجهته يقفز لتقديم وثائقه بحثا عن اللجوء، وهذا الأمر تسبب في حظر طلبات الطلاب اليمنيين الداخلين للدراسة حقاً، بسبب ما اقترفه الباحثون عن اللجوء، فكل يمني يقدم وثائقه حاليا للدراسة لدى الكثير من الدول الأوروبية بات مشكوكا فيه إزاء إهمال الداخلين بفيزا الطالب الالتحاق بالدراسة والذهاب للجوء. 

الحدود المغربية الإسبانية، وليبيا، والجزائر، كانت مسرحا مهما ومصدرا إخباريا باعثا على الأسى عن قصص لشبان يمنيين حاولوا التسلل إلى أوروبا عبر حدود دول المغرب العربي، أكثرهم اعتقلوا أو اختطفوا أو ماتوا غرقاً أو اغراقاً أو تم نفيهم إلى الصحراء. 

والأنكى أن يقع الشباب اليمنيون بيد عصابات أو تنظيمات إرهابية في دول المغرب العربي ليبيا في الصدارة تختطفهم ثم تطلب فدية مالية ضخمة بالعملة الصعبة لإطلاق سراحهم، وهناك الكثير من الحوادث في هذا الأمر دونت لن تكون آخر قضية تلك التي تم طلب فيها فدية لشاب يمني من تعز حاول العبور إلى إيطاليا عبر ليبيا ليقع بيد عصابات طالبت بفدية لاطلاقه مبلغا يزيد عن عشرة آلاف دولار وفقا لرواية أحد أقاربه ل"نيوزيمن".

حدود دولة بيلاروسيا كانت مؤخرا معبرا مهما للآلاف من اليمنيين للدخول إلى أوروبا بحثا عن الحياة الكريمة، فمطاعم اليمن بماليزيا التي كانت تعج بالعمال اليمنيين الشباب باتت شبه خاوية من العمال بسب هجرتهم الجماعية عبر بيلاروسيا، الكثير منهم بعد تمكنه من العبور روى قصصا مرعبة ومؤلمة لما واجهه في رحلة الهروب عبر تلك الحدود الموحشة والقارسة.

أحدهم يصور قدميه وهي متورمة مثل حجرتي "البردين- الهردي" يقول: تهت في الغابة لأسابيع وشاهدت الموت ثم في آخر الأيام وجدت نفسي في منفذ دخلت منه إلى بولندا ومنه ألمانيا لأنجو بأعجوبه في الوقت الذي كنت فيه قد فقدت الأمل بالحياة وخارت قواي وأنهكني الجوع واليأس والمرض. 

كان مسبقا يمر اللاجئون اليمنيون إلى أوروبا عبر بيلاروسيا بطرق معروفة ونقاط يتم خلالها التواصل بمهربين مقابل مبالغ تصل نحو 3 -4 آلاف دولار للشخص الواحد، ليكون الأمر سهلا اعتمادا على خارطة جوجل ماب والتواصل عبر واتس اب مع المهربين يحدد فيها المهربون نقاط الانتظار والالتقاء للزبائن، لكن ذلك بات أكثر صعوبة في ظل قطع بولندا لتغطية خدمات الانترنت والهاتف في المناطق الحدودية، الأمر الذي جعل الكثير من الشباب اليمنيين الراغبين بالدخول اللاشرعي عبر تلك الحدود كالذي رمى نفسه إلى تهلكة وكابوس الانتحار البطيئ. 

في تلك الحدود القارسة والموحشة والمكتظة بمسلحي الحدود في منطقة يرفع فيها الجنود دائما الجاهزية القصوى وواضعو أصابعهم على الزناد بل ويستهدف العابرون برصاص الرشاشات وفقا لروايات لاجئين ل"نيوزيمن"، قتل فيها عدد من اليمنيين، بينهم أحمد رائد الشوافي، وشاب آخر يدعى مرشد الريمي ثم يلحقهم شاب ثالث قبل أيام يدعى عبدالمجيد خالد، كل هؤلاء نقلت الصحافة عن السلطات رواية موتهم بسبب البرد والجوع. 

منذ أعوام ليست قليلة لم نكن نسمع أو نقرأ عن أخبار لأي يمني حاول الهروب أو الدخول لتلك الدول البعيدة بحثا عن العيش الكريم بطرق غير مشروعة يرمون أنفسهم إلى الهلاك بتلك الطريقة المرعبة والموحشة التي لا تخلو من خطر الموت المحتم. 

لكن منذ أن تفشت الجائحة الحوثية وكشرت بأنيابها القذرة على رؤوس اليمنيين، فر كل من وجد فرصة للخروج، وبقي الكثير من المتواجدين في الداخل ينتظرون أي منفذ للهروب. 

يقول الشاب "م. ص" - يمني لاجئ حاليا في هولندا- ل"نيوزيمن"، بالنسبة لي أن أموت في الخلاء وتتناهشني السباع وأنا أعبر الحدود هروبا، أفضل وأعظم عندي من أن أموت تحت سياط جلاد متبردق لا يساوي قيمة حذائي- أعزك الله. 

"ربنا باعد بين أسفارنا" قالها أجداد اليمنيين، كما وردت في محكم التنزيل بسورة "سبأ" الآية "18" وقد ألحقت ب"ومزقناهم كل ممزق".

وها هو اليمني اليوم يهرب بحثا عن العيش والحياة بكرامة بعد أن ضاق ذرعا بالحياة في الداخل، ليس هروبا من "السيل العرم"، وكوارث الطبيعة، ولكن فراراً من الكهنوت العرم، الذي لم تعرف اليمن السعادة بعده منذ أن وطأ الأرض السعيدة، وما يزال أحفاد الكهنوت ومن حالفهم واتفق معهم يمارسون أقبح الشر والجرم والإرهاب ضد اليمن واليمنيين وبما يفوق أجدادهم، الأمر الذي تسبب بهلاك الحرث والنسل وهجرة ونزوح وهروب الإنسان.