عن دمشق ومأرب وعن نور الدين زنكي وطارق صالح.. وعن تعز صلاح الدين الأيوبي

السياسية - منذ 4 يوم و 14 ساعة و 6 دقيقة
نيوزيمن، كتب/عبد السلام القيسي:

كانت الخلافة موزعة بين سلطنات وإمارات من مصر إلى الشام والعراق، وكان الساحل الشامي مملكة صليبية، بعد سيطرتهم عليه بالحملة الصليبية الأولى من الألمان والفرانس. 

الخلافة لا تدري عن حالها، والأمراء والأتابكية كل أمير وأتابك يقتطع من جسد الخلافة العباسية سلطنة باسمه دون المساس بسلطة الخليفة الروحية. وتبقى للخليفة صفته.

ظهر عماد الدين زنكي في الموصل وكان يجد بمحاربة الصليبيين وكان يسعى لتوحيد الأمراء ومدن الشام خاصة لجهاد المحتل، أضاف حلب إلى سلطنته وأراد حمص وحصل عليها بصعوبة.

كانت دمشق تحت سلطة آل بوري، كان الأمير شهاب الدين ضعيفا في دمشق، ولكن أمه من النساء القويات، عصمة الملك، كان وزراء دولة شهاب الدين يغررون به لقتال عماد الدين الزنكي الطامع بدمشق، كادت تغريراتهم تقنع الأمير بقتال آل زنكي دفاعا عن دمشق من طموحاته لولا أمه. 

قالت عصمت الملك: زنكي إنما كانت قوته من قتاله للصليبيين ولو أردتم الدفاع عن دمشق فلا تعترضوا زنكي، بل قوموا بغارات على الصليبيين، انتصر زنكي وأخذ بعض الحصون من يد مملكة القدس الصليبية.

على صفوة الملك أن تدافع عن إمارة ولدها الضعيف، فأرسلت جيش الإمارة للاغارة على مدن مملكة بيت المقدس ونجحت بذلك.

لم تقل عصمة الملك علينا إضعاف قوة زنكي والتحالف مع الصليب للانتهاء من أطماعه بدمشق كما يحدث الآن لنا في اليمن، هناك قضية وهي الدفاع عن الأرض والعظماء يكبرون بهذه القضايا. وإذا أراد السلطان أيا كان أن ينافس خصمه من لحمه ودمه ودينه ولغته فعليه أن يسبقه بالبطولات وأن يخطف من يديه القضية التي تمس مصير المسلمين وبه فقط ينتصر.

قال أحد أمراء دمشق وهو معين الدين آنر للفارس العربي أسامة بن منقذ أن زنكي لا يقاتل الصليبيين إلا لكي يبسط نفوذه على المدن الإسلامية بدعوة توحيد الأمة، رد عليه ابن منقذ: هذه صفة الأبطال يأخذون من أنفسهم لقضايا الأمة ومن قضايا الأمة لأنفسهم فتنتصر الأمم ويحصلون المجد. فلتكن مثله أيها الأمير وخذ من هذه وتلك فتفيد وتستفيد.

كنت منذ أسبوع اقرأ تأريخ الحروب الصليبية وأنا أفكر بما يحدث هنا وأكثر من فصيل على الساحة اليمنية، تشبه مرحلة الشام آنذاك.

 إذا أراد أي طرف الانتصار ومنافسة الجمهوري الأول، عليه أن يخطف من يديه القضية وأن يحوز شرف النصر على الحوثي. وبهذه يتخلص من طموحات منافسه في القضية. 

المفترض بحزب الإصلاح طالما يخاف من طارق كل هذا الخوف أن يبادر في تعز ويوفي في مأرب ويسبق، ولديه معطيات السبق لكل الفصائل الأخرى بالتحرير والخلاص من الحوثي، فتذكرة الحكم هي العاصمة صنعاء ومن فاز بها سينتصر له الشعب بكلمته وسوف يبايعه. 

طارق لا يطمح بمأرب إلا بقدر تخاذل من هم على جيش مأرب في القتال وتوزيع جحافلهم في معارك هامشية. ولمنعه عن مأرب كونوا فقط بقدر معركة مأرب. 

شوكة المجد من مدى مجالدتك للعدو وليس حصولك بالخداع على القرار وعلى الأرض بالقوة. 

الغيرة بين الرجال تجعلهم يوقعون برفاقهم في السلاح، والقضية لصالح العدو، والأجدر فيهم من يستثمر حبه للمجد والشهرة في صالح عامة الناس. 

بعد استشهاد زنكي ظن الكل بالشام من مسلمين وصليبيين أن انتصاراته انتهت، ولده ضعيف، عاد الصليبيون ودخلوا إمارة الرها المهمة التي فتحها عماد الدين، وبذات الوقت عاد آل بوري حكام دمشق وحاصروا بعلبك التي أخذها آل زنكي قبل موت عماد الدين وولى عليها نجم الدين أيوب والد صلاح الدين الأيوبي، فماذا صنع الأمير الذي خلف والده في الإمارة الزنكية؟ 

بعد وصول الخبر عن سقوط الرها بيد الصليبيين وعن حصار خصومه مسلمي دمشق لبعلبك أمر حامي بعلبك بتسليم المدينة والقلعة للدمشقيين وتوجه بجيشه نحو الرها واستنقذها منهم مرة أخرى، قال: والله لا أريق دم المسلمين في بعلبك والصليبي يريق دمنا في الرها. فسلموا المدينة لمعين الدين وهيا إلى الرها، وانتصر. 

بالضبط، كما حدث للشرعية اليمنية، والجيش الوطني، وقف قادة الحرب أمام خيار كخيار نور الدين الزنكي، سحب الجيش من نهم ومن مارب إلى الجنوب طمعا بالحفاظ على عدن خوفا من مصير مجهول بعد التحرير أو البقاء وقتال الحوثي في الشمال. ولكنهم سقطوا بهذا الاختبار السهل، تركوا الجوف بعد نهم للحوثي وذهبوا من أجل السيطرة على عدن، وها هو الحوثي يحاصرهم في مأرب. 

كذلك في تعز، يديرون معارك خفية ضد طارق صالح والعدو الحوثي في عصيفرة.

 أكبر خدمة يقدمها الإصلاح لخصمه طارق عندما يستهدفه ويزيح نظره عن الحوثي عدو الجميع، ولكأنهم عمي وصم لا يفقهون.

إذ هناك شعب هو من سيقرر البطل الجمهوري وسوف يتوجه، هذا الشعب، يرى جيداً.

تمنعون طارقا من تحرير الحديدة فتضاعفون بها رصيده. وبقدر منعه عبر حفاظكم على الاتفاق الأممي يكبر ويتعالى، وترفضون تواجده في مأرب والشعب يعي أنكم رفضتم ثم تخربشون عليه خارطة معركة غرب تعز باقترابكم منه، والكل يدرك هذه الحقيقة، فتمسون طعما للحوثي وتكبر جيوش طارق، إذ هو بلا معركة. دماؤكم تذهب بلا أسف ودمه يحتفظ به في الجبهات، ليوم كريهة تنهي الحوثي وكل المقاتلين.

هذه مقارنة ومقاربة 

كانت دمشق تحول بين جيوش آل زنكي وبين مملكة بيت المقدس الصليبية، ولا يمكن أن تبدأ حملة المسلمين لتحرير بيت المقدس إلا بتظافر الجهود مع دمشق، وهذا ما لم يكن أولا أو بالسيطرة على دمشق وثمنها إراقة دم مسلم يتورع نور الدين ومن بعده صلاح الدين عن اراقته، ولكن كان لشعب دمشق كلمته في عهد نور الدين وفي عهد صلاح الدين وفتح الأبواب مرتين غصبا عن أمراء دمشق وبها تحقق للعرب المسلمين توحيد كلمة البلاد والتوجه إلى حطين واستنقاذ بيت المقدس.

دمشق هي مأرب التي تحجز الحراس والعماليق عن النصر، 

دمشق هي تعز التي تحجز الحراس والعماليق عن النصر. 

بل للحقيقة: سلطتا مأرب وتعز.

فإذا كان هناك احتمال آخر فما هو برأيكم؟