هجوم الحوثيين على مأرب وحضرموت.. الحرب تعود إلى مسار التصعيد المفتوح
السياسية - منذ 55 دقيقة
حضرموت، نيوزيمن، خاض:
لم يكن الهجوم الواسع الذي شنته جماعة الحوثي، الخميس، على مواقع عسكرية تابعة للقوات الحكومية في محافظتي مأرب وحضرموت مجرد حلقة جديدة في سلسلة المواجهات اليمنية الممتدة منذ سنوات، بل حمل مؤشرات على تحول محتمل في طبيعة الصراع، سواء من حيث حجم العملية، أو أسلوب تنفيذها، أو طبيعة الرسائل التي أرادت الجماعة إيصالها عسكرياً وسياسياً.
فالعملية التي نفذت باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، واستهدفت عدداً من المعسكرات في مناطق الرويك والعبر والثنية ومواقع أخرى، كشفت عن محاولة للانتقال من نمط الضربات المحدودة إلى عمليات مركبة تستهدف العمق العسكري للقوات الحكومية، في واحدة من أكثر الهجمات تعقيداً خلال الفترة الأخيرة.
ورغم أن الحرب اليمنية شهدت خلال الأعوام الماضية عشرات الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، فإن الضربة الأخيرة تكتسب أهمية خاصة بسبب ثلاثة عوامل رئيسية: اتساع نطاقها الجغرافي، وطبيعة الأهداف المستهدفة، وتوقيتها المرتبط بتحولات سياسية واقتصادية وعسكرية متسارعة.
هجوم يتجاوز البعد التكتيكي
أعلنت وزارة الدفاع اليمنية أن الهجوم استهدف وحدات عسكرية كانت تؤدي مهاماً مرتبطة بتأمين المناطق المحررة وحماية الطرق الدولية ومكافحة التهريب، مؤكدة سقوط قتلى وجرحى، ومتوعدة بالرد "في الزمان والمكان المناسبين".
في المقابل، أعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عن العملية، وقالت إنها استهدفت ما وصفته بـ"تحشيدات عسكرية" في مناطق شرق اليمن.
لكن القراءة العسكرية للهجوم تشير إلى أن الهدف لم يكن فقط إيقاع خسائر بشرية، بل توجيه رسائل متعددة، أبرزها التأكيد على قدرة الجماعة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى، وضرب مواقع لا تقع على خطوط التماس المباشرة، وإعادة فرض حضورها في معادلة الصراع بعد فترة من انخفاض وتيرة العمليات البرية.
لماذا تختلف هذه الضربة عن سابقاتها؟
1- استهداف العمق اللوجستي للقوات الحكومية
اللافت في العملية أنها لم تركز على مواقع قتالية متقدمة، بل طالت معسكرات إسناد واحتياط ذات أهمية لوجستية في شرق اليمن.
وهذا النوع من الأهداف يحمل قيمة عسكرية كبيرة، كون هذه المواقع ترتبط بحركة القوات والإمدادات وتأمين الطرق الحيوية، ما يجعل استهدافها محاولة للتأثير على قدرة القوات الحكومية على الانتشار والمناورة.
2- التزامن بين أكثر من جبهة
تنفيذ ضربات متزامنة في مأرب وحضرموت يعكس تطوراً في إدارة العمليات، إذ لم تعد الهجمات تعتمد على استهداف نقطة واحدة، بل على خلق تأثير واسع في أكثر من محور في وقت واحد.
وهذا الأسلوب يهدف إلى تشتيت قدرات الدفاع، ورفع الضغط النفسي والعسكري على الطرف المستهدف.
3- ارتباط الهجوم بحسابات شرق اليمن
يأتي التصعيد في وقت تتزايد فيه أهمية المحافظات الشرقية، باعتبارها مركز الثقل الاقتصادي والعسكري للحكومة، خصوصاً مع التحركات المتعلقة باستعادة النشاط النفطي وتعزيز السيطرة على طرق الإمداد.
مأرب والعبر.. لماذا تمثلان هدفاً استراتيجياً؟
لا يمكن فهم اختيار هذه المناطق بعيداً عن موقعها في الحسابات العسكرية والاقتصادية.
فمحافظة مأرب تمثل أحد أهم مراكز القوة الحكومية، وتضم منشآت الطاقة في صافر، إضافة إلى كونها بوابة استراتيجية تربط شمال اليمن بشرقه.
أما منطقة العبر، فتكتسب أهمية خاصة باعتبارها ممراً رئيسياً يربط المحافظات الشرقية بمنفذ الوديعة الحدودي مع المملكة العربية السعودية، ويشكل أحد أهم خطوط الحركة العسكرية والتجارية.
ولهذا فإن أي اضطراب أمني في هذه المناطق لا ينعكس فقط على الميدان العسكري، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد، وحركة التجارة، ومستقبل إيرادات الدولة.
هل يمثل الهجوم تمهيداً لمعركة برية جديدة؟
يعد هذا السؤال الأكثر حضوراً في الأوساط العسكرية عقب الضربة الأخيرة.
فالهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة غالباً ما تستخدم في الحروب كوسيلة لإضعاف الخصم قبل أي تحرك بري محتمل، عبر استهداف مراكز القيادة، ومستودعات الإمداد، والقوات الموجودة في العمق.
وفي حال كانت المعلومات المتداولة بشأن تحركات وتعزيزات حوثية في محافظات الجوف ومأرب والبيضاء دقيقة، فإن الهجوم قد يكون جزءاً من مرحلة تمهيدية لمحاولة تغيير ميداني، خصوصاً في المحاور القريبة من مأرب الشرقية ومنطقة صافر.
لكن في المقابل، فإن شن عملية برية واسعة سيكون خياراً عالي الكلفة، نظراً لطبيعة الجغرافيا، وحجم التحصينات، واحتمالات توسع دائرة المواجهة إقليمياً.
ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
السيناريو الأول: رد حكومي محدود ومدروس
يبقى هذا السيناريو الأكثر احتمالاً على المدى القريب.
فالحكومة قد تلجأ إلى تنفيذ ضربات نوعية تستهدف منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، أو مواقع القيادة والسيطرة، بهدف استعادة الردع دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.
كما قد تعمل على إعادة ترتيب الانتشار العسكري وتعزيز الإجراءات الأمنية حول المنشآت الحيوية.
السيناريو الثاني: توسع المواجهات نحو هجوم بري
يرتبط هذا الاحتمال بمدى استمرار التحركات العسكرية على الأرض.
فإذا أعقبت الضربات عمليات حشد واسعة أو محاولات تقدم ميداني، فقد تدخل جبهات مأرب والجوف وحضرموت مرحلة جديدة من القتال، وهو ما قد يمثل أكبر تصعيد عسكري منذ سنوات.
السيناريو الثالث: تصعيد مضبوط دون حرب شاملة
قد يختار الطرفان الإبقاء على مستوى التصعيد ضمن حدود الضربات المتبادلة، عبر عمليات صاروخية ومسيّرة وهجمات محدودة، دون الانتقال إلى حرب مفتوحة.
ويستند هذا السيناريو إلى أن جولات التصعيد السابقة غالباً ما انتهت عند حدود معينة بفعل حسابات الكلفة العسكرية والسياسية.
النفط والاقتصاد.. جبهة أخرى للتصعيد
لا تنفصل التطورات العسكرية عن الملف الاقتصادي.
فالمحافظات الشرقية تمثل العمود الفقري للموارد النفطية الواقعة تحت سيطرة الحكومة، وأي تهديد أمني لمنشآت الطاقة أو طرق النقل قد يعرقل جهود استئناف تصدير النفط، الذي تراهن عليه الحكومة لتحسين الإيرادات العامة ودعم العملة وتمويل الخدمات.
كما أن استمرار الهجمات على هذه المناطق قد يرفع تكاليف التأمين والنقل، ويؤثر على ثقة الشركات العاملة في قطاع الطاقة.
هل تغيرت قواعد الاشتباك في اليمن؟
تشير طبيعة الهجوم الأخير إلى احتمال دخول الصراع مرحلة مختلفة، تصبح فيها المنشآت العسكرية والاقتصادية في شرق اليمن أهدافاً أكثر حضوراً في حسابات جماعة الحوثي.
وهذا التطور يفرض على القوات الحكومية مراجعة أساليب الانتشار العسكري، وتعزيز منظومات الرصد والإنذار المبكر، وتقليل الاعتماد على التجمعات العسكرية الكبيرة والثابتة التي أصبحت أكثر عرضة للاستهداف بالصواريخ والطائرات المسيرة.
شرق اليمن على أبواب مرحلة جديدة
تكشف الضربة الأخيرة أن الحرب اليمنية لم تغادر مربع الاحتمالات المفتوحة، وأن الهدوء النسبي الذي شهدته بعض الجبهات خلال الفترة الماضية لم يكن بالضرورة مؤشراً على انتهاء الصراع، بل ربما كان مرحلة إعادة تموضع واستعداد.
وخلال الأسابيع المقبلة، ستحدد ثلاثة عوامل مسار المرحلة القادمة: طبيعة الرد الحكومي، وحجم التحركات الحوثية على الأرض، وقدرة الأطراف على احتواء التصعيد قبل تحوله إلى مواجهة واسعة.
فإما أن تعود المواجهة إلى نمط التصعيد المتقطع، أو أن تكون ضربة مأرب وحضرموت بداية لجولة جديدة تعيد رسم خريطة الصراع في اليمن، وتجعل من شرق البلاد مركز المعركة الأهم عسكرياً واقتصادياً خلال المرحلة المقبلة.
>
