البحر الأحمر يفرض نفسه على أجندة أوروبا.. حماية الملاحة تتحول إلى أولوية
السياسية - منذ 46 دقيقة
بروكسل، نيوزيمن، خاص:
حذرت البعثة العسكرية للاتحاد الأوروبي في البحر الأحمر "أسبيدس" (ASPIDES) من تداعيات بيئية خطيرة قد تنتج عن الهجمات التي تستهدف ناقلات النفط، مؤكدة أن حماية الملاحة المدنية لم تعد مرتبطة فقط بأمن السفن والأطقم، بل أصبحت مرتبطة بحماية البيئة البحرية وحرية التجارة العالمية.
وقالت البعثة، في منشور لها على منصة "إكس"، إن حماية الملاحة المدنية تعني حماية الأرواح والقيم الأساسية والمنافع العامة العالمية، وفي مقدمتها البيئة البحرية وحرية الملاحة، محذرة من أن استهداف ناقلات النفط قد يؤدي إلى "عواقب بيئية وخيمة".
وأكدت "أسبيدس" استمرارها في تنفيذ مهمتها الدفاعية وفق أحكام القانون الدولي، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من انعكاسات الهجمات البحرية في البحر الأحمر على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وتأتي التحذيرات الأوروبية في ظل تحول البحر الأحمر إلى جبهة أمنية متصاعدة بالنسبة للاتحاد الأوروبي، بعدما تجاوزت تداعيات الهجمات على السفن التجارية الجانب العسكري لتطال الاقتصاد العالمي، وحركة التجارة، وتكاليف النقل، وإمدادات الطاقة.
اختبار جديد
ورغم استمرار الحرب في أوكرانيا باعتبارها التحدي الأمني الأكبر للقارة الأوروبية، بدأت العواصم الأوروبية تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره ملفاً استراتيجياً متزايد الأهمية، خصوصاً مع اعتماد الاقتصاد الأوروبي على الممرات البحرية الحيوية.
وتسعى عملية "أسبيدس" إلى حماية السفن التجارية وتأمين خطوط الملاحة في المنطقة، لكنها تواجه اختباراً عملياً لقدرة الاتحاد الأوروبي على حماية مصالحه خارج حدوده، في ظل تصاعد استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد السفن.
وخلال زيارة إلى مقر العملية في جيبوتي، أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن أمن البحر الأحمر أصبح "مصلحة أوروبية مباشرة"، مشيرة إلى توجه الاتحاد لتوسيع نطاق المهمة، بما يشمل تعزيز مواجهة التهديدات البحرية، مثل الألغام، ورفع مستوى حماية خطوط التجارة.
ويرى مراقبون أن توسع مهام "أسبيدس" يعكس إدراكاً أوروبياً بأن أمن القارة لم يعد مرتبطاً فقط بالحدود البرية، بل يمتد إلى الممرات البحرية التي تعتمد عليها التجارة والطاقة.
يمثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب أحد أهم الممرات التجارية العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من حركة الشحن بين آسيا وأوروبا، بما في ذلك شحنات الطاقة والمواد الخام.
وتؤكد بيانات أوروبية أن اضطراب الملاحة في هذا الممر الحيوي يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واضطرار بعض السفن إلى اتخاذ مسارات بديلة حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أسابيع إلى زمن الرحلات البحرية ويزيد الضغوط على الأسواق الأوروبية.
وفي ظل هذه التداعيات، لم تعد الهجمات على السفن تُقرأ أوروبياً باعتبارها أزمة أمن بحري فقط، بل كتهديد مباشر للاقتصاد وسلاسل الإمداد، خصوصاً في قطاعات الطاقة والصناعة.
الاستقلال الاستراتيجي
وقال قائد عملية "أسبيدس" الأدميرال فاسيليوس غريباريس إن المهمة نجحت في حماية عدد من السفن التجارية، لكنها تحتاج إلى مزيد من القدرات لمواجهة التهديدات الحديثة، خصوصاً الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مشيراً إلى أن طلبات الحماية من شركات الشحن تفوق الإمكانات المتاحة.
ويعتبر محللون أن البحر الأحمر أصبح اختباراً حقيقياً لطموح الاتحاد الأوروبي في بناء قدرة أمنية مستقلة بعيداً عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، حيث تمثل عملية "أسبيدس" محاولة لإثبات قدرة أوروبا على حماية مصالحها الحيوية في مناطق بعيدة عن أراضيها.
ويرى الباحثون أن نجاح المهمة الأوروبية أو تعثرها سيؤثر على مستقبل مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، الذي تسعى بروكسل إلى ترسيخه منذ سنوات، لكنه يواجه اليوم تحديات عملية بفعل تصاعد التهديدات البحرية.
ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، وارتفاع المخاطر في الشرق الأوسط، بات الاتحاد الأوروبي يتعامل مع بيئة أمنية أكثر تعقيداً، تجمع بين التهديدات العسكرية المباشرة والمخاطر الاقتصادية المرتبطة بالتجارة والطاقة.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن حماية طرق التجارة العالمية أصبحت جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن الأوروبي، وهو ما يدفع دول الاتحاد إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز التعاون العسكري البحري.
وتكشف التطورات الأخيرة أن البحر الأحمر بات يحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الأمنية الأوروبية، ليس باعتباره بديلاً عن الجبهة الأوكرانية، وإنما باعتباره جبهة استراتيجية جديدة تؤكد أن أمن أوروبا يمتد إلى الممرات البحرية التي تعتمد عليها تجارتها واقتصادها.
وفي ظل استمرار الهجمات والتهديدات، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار مزدوج: حماية مصالحها الاقتصادية والحفاظ على حرية الملاحة، وفي الوقت ذاته إثبات قدرتها على التحول من قوة اقتصادية كبرى إلى لاعب أمني قادر على التعامل مع أزمات متعددة الجبهات.
>
