تحليل دولي: الحوثيون يلعبون بالنار وتحولات إيران تدفع نحو التصعيد

السياسية - منذ ساعة و 14 دقيقة
عدن، نيوزيمن، ترجمة:

حذّرت مجموعة الأزمات الدولية من أن التصعيد الأخير الذي تقوده ميليشيا الحوثي، على خلفية محاولات تسيير رحلات جوية مباشرة بين صنعاء وطهران، يمثل أخطر تهديد للهدنة غير المعلنة التي حافظت على قدر من الهدوء في اليمن منذ أبريل/نيسان 2022، مشيرة إلى أن الأزمة تعكس تحولاً في سلوك الجماعة، بالتوازي مع تغير واضح في نهج إيران تجاه الملف اليمني، بما يرفع احتمالات عودة الحرب على نطاق واسع.

وفي تحليل أعده الباحث في المجموعة أحمد ناجي، أكد أن الأزمة المرتبطة بالرحلات الجوية الإيرانية لا تمثل خلافاً فنياً حول حركة الطيران، بل تعكس تحولاً استراتيجياً قد يقود إلى تقويض التفاهمات التي جنبت اليمن مواجهة عسكرية شاملة خلال السنوات الأربع الماضية.

وأوضح ناجي أن "الأزمة المتعلقة بالرحلات الجوية بين صنعاء وطهران تهدد بتقويض الهدنة، وتنذر بمرحلة جديدة من الصراع"، لافتاً إلى أن التصعيد الأخير كشف انتقال الأطراف من سياسة ضبط النفس إلى سياسة المواجهة المباشرة، بعدما أعقب الغارات الجوية التي استهدفت منع هبوط الطائرة الإيرانية في صنعاء هجمات حوثية على مطار أبها السعودي، إلى جانب رسائل تصعيدية حملتها المظاهرات التي نظمتها الجماعة وتحدثت عن توسيع نطاق المواجهة إلى مختلف الجبهات.

ورأى التحليل أن هذه التطورات تنهي عملياً واحدة من أكثر الفترات هدوءاً منذ اندلاع الحرب اليمنية، محذراً من أن استمرار التصعيد دون تدخل دبلوماسي عاجل قد يفتح الباب أمام جولة قتال جديدة تتجاوز المواجهات المحدودة إلى حرب إقليمية أكثر اتساعاً.

فرض أمر واقع بدلاً من التفاوض

وبحسب مجموعة الأزمات الدولية، فإن إصرار الحوثيين على تشغيل رحلات مباشرة بين صنعاء وطهران دون موافقة الحكومة اليمنية أو التحالف العربي لا يمكن فصله عن استراتيجية أوسع تتبناها الجماعة لفرض أمر واقع جديد، بعيداً عن مسارات التفاوض التي ترعاها الأمم المتحدة.

وأشار التحليل إلى أن هذه الخطوة تعكس ثلاثة تحولات رئيسية في سلوك الحوثيين، أولها الانتقال من انتظار نتائج المفاوضات إلى فرض الوقائع بالقوة، وثانيها الارتقاء بالعلاقة مع إيران من مستوى الدعم السياسي والعسكري غير المباشر إلى شراكة أكثر علنية في تحدي القيود المفروضة على المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، وثالثها إعادة تعريف الصراع باعتباره معركة "سيادة" على المجال الجوي والموانئ والمياه الإقليمية، بدلاً من التركيز على إجراءات بناء الثقة مثل دفع رواتب الموظفين أو الملفات الإنسانية.

ويرى التحليل أن الجماعة تسعى إلى تكريس نفسها باعتبارها السلطة الوحيدة التي تمثل السيادة اليمنية، وهو توجه من شأنه، وفق المجموعة، تعقيد أي تسويات مستقبلية، ورفع كلفة التوصل إلى حلول وسط، بعدما باتت القضية مرتبطة بفرض شرعية سياسية جديدة على الأرض.

ورغم محاولات الحوثيين فرض معادلات جديدة، يحذر التحليل مجموعة الأزمات الدولية من أن الجماعة "تلعب بالنار"، إذ إن استمرار استهداف السعودية أو توسيع نطاق العمليات العسكرية قد يدفع الرياض إلى رد أكثر قوة، في ظل تغير موازين القوى مقارنة بالسنوات الماضية.

وأشار التحليل إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت تقارباً أكبر بين القوى اليمنية المناهضة للحوثيين والمدعومة من السعودية، الأمر الذي عزز قدرة التحالف على تنسيق أي عمليات عسكرية مستقبلية، فضلاً عن احتمال حصول الرياض على دعم أمريكي سياسي وعسكري إذا تجددت الحرب.

وفي الوقت نفسه، لفت التحليل إلى أن الحوثيين يواجهون ضغوطاً داخلية متزايدة، تتمثل في التدهور الاقتصادي داخل مناطق سيطرتهم نتيجة العقوبات الأمريكية، إضافة إلى تصاعد حالة السخط الشعبي والقبلي من سياسات الجماعة.

ونقل التحليل عن الباحث أحمد ناجي قوله إن استمرار المواجهة قد يمنح السعودية وحلفاءها فرصة لاستثمار هذه الانقسامات الداخلية، بما يزيد من الكلفة السياسية والعسكرية التي ستتحملها الجماعة.

إيران تنتقل من الاحتواء إلى التصعيد

ويعد أبرز ما خلص إليه تحليل مجموعة الأزمات الدولية هو ربط التصعيد الحوثي بتحول في السياسة الإيرانية تجاه اليمن، إذ يرى أن طهران انتقلت من تشجيع التهدئة بعد الاتفاق السعودي الإيراني إلى تبني موقف أكثر دعماً لمحاولات الحوثيين كسر القيود المفروضة عليهم.

وأوضح التحليل أن هذا التحول يرتبط مباشرة بالمواجهة التي تخوضها إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث باتت طهران تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم ورقة ضغط إقليمية أكثر أهمية، وهو ما انعكس في الدعم العلني لتحركات الجماعة، وإبراز الدور المتزايد للسفير الإيراني في صنعاء، فضلاً عن تأييد المسؤولين الإيرانيين لمحاولات تشغيل الرحلات الجوية المباشرة.

وأشار إلى أن الطائرة الإيرانية التي كانت محور الأزمة في 13 يوليو كانت مؤشراً واضحاً على هذا التحول، باعتبارها جاءت في إطار تحرك سياسي ولوجستي أوسع حظي بدعم إيراني معلن، بينما لم يخف الحوثيون امتنانهم لطهران على مساندتها.

وحذر التحليل من أن استمرار الضغوط الأمريكية على إيران قد يدفع طهران إلى إعادة تفعيل جبهة الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب، عبر تشجيع الجماعة على استئناف الهجمات ضد الملاحة الدولية، باعتبارها إحدى أدوات الضغط في المواجهة الإقليمية.

ورغم أن الحوثيين لم يعلنوا حتى الآن العودة إلى استهداف السفن التجارية، إلا أن مسؤولين في الجماعة لمحوا إلى بقاء هذا الخيار قائماً إذا تصاعدت المواجهة مع إيران، وهو ما اعتبره التحليل مؤشراً على أن أمن الملاحة الدولية قد يعود مجدداً إلى دائرة التهديد.

وربط التحليل بين أي تصعيد محتمل في البحر الأحمر وبين الاستراتيجية الإيرانية الأوسع، معتبراً أن تعطيل الملاحة في باب المندب بالتزامن مع الضغوط على مضيق هرمز سيضاعف من اضطرابات التجارة العالمية ويزيد من التداعيات الاقتصادية والأمنية للصراع الإقليمي.

دعوة لاحتواء الأزمة قبل انفجارها

وفي ختام تحليله، شدد الباحث أحمد ناجي على أن الأولوية العاجلة يجب أن تتركز على منع انزلاق اليمن إلى حرب جديدة، مؤكداً أن البلاد لا تحتمل جولة إضافية من الصراع بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي والإنساني.

ورأت مجموعة الأزمات الدولية أن إعادة تفعيل قنوات الحوار المباشر بين السعودية والحوثيين تمثل المسار الأكثر واقعية لاحتواء الأزمة، إلى جانب إدارة ملف مطار صنعاء عبر التنسيق مع الأمم المتحدة والشركاء الإقليميين بدلاً من الإجراءات الأحادية.

كما أكد التحليل أن أي استقرار دائم في اليمن سيظل مرتبطاً أيضاً بخفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة، محذراً من أن استمرار المواجهة بينهما قد يدفع اليمن مجدداً إلى التحول إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على أمن المنطقة والملاحة الدولية.