بين "اليمنية" و"ماهان".. معركة السيادة على أجواء صنعاء
السياسية - منذ 47 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
في وقت يفترض فيه أن تسعى الحكومة اليمنية ( المعترف بها دولياً) للحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة الوطنية، تبرز قضية إحلال شركة "ماهان" الإيرانية محل الخطوط الجوية اليمنية لتسيير الرحلات بين صنعاء وطهران، كواحدة من أكثر الملفات حساسية وخطورة على المستويين السيادي والأمني.
فالمسألة، بحسب مراقبين، لا تتعلق بمجرد تشغيل خط جوي جديد، بل تتجاوز ذلك إلى أبعاد سياسية وأمنية واستراتيجية قد تترك آثاراً عميقة على مستقبل اليمن وعلاقاته الإقليمية والدولية.
وجاءت هذه القضية إلى الواجهة عقب مناقشة مجلس القيادة الرئاسي، في اجتماعه الاستثنائي، الجمعة، برئاسة الدكتور رشاد العليمي، الطلب الإيراني الرامي إلى تسيير رحلة تابعة لشركة "ماهان" الإيرانية إلى مطار صنعاء، وسط تأكيد المجلس رفض أي إجراءات من شأنها تقويض دور الناقل الوطني اليمني أو المساس بسيادة الدولة اليمنية.
معركة تتجاوز الطيران المدني
يرى خبراء في شؤون الطيران والسياسة الإقليمية أن استبدال الخطوط الجوية اليمنية بشركة أجنبية مرتبطة بشكل مباشر بالحكومة الإيرانية لا يمكن النظر إليه كخطوة تشغيلية أو إنسانية بحتة، بل كتحول سياسي يحمل دلالات تتجاوز قطاع النقل الجوي.
فالخطوط الجوية اليمنية تمثل الناقل الوطني الرسمي للجمهورية اليمنية، وإقصاؤها من العمل في مطار صنعاء يعني عملياً سحب أحد أبرز رموز السيادة الوطنية من المشهد، ومنح جهة خارجية مساحة نفوذ جديدة داخل أحد أهم المرافق السيادية في البلاد.
ويؤكد مراقبون أن نجاح الحوثيين في فرض شركة "ماهان" الإيرانية بديلاً عن اليمنية قد يشكل سابقة خطيرة تفتح الباب أمام المزيد من محاولات السيطرة على مؤسسات الدولة وإعادة تشكيلها بما يخدم أجندات خارجية.
تداعيات أمنية مقلقة
وتثير شركة "ماهان" الإيرانية جدلاً واسعاً على المستوى الدولي، حيث سبق أن تعرضت لعقوبات أمريكية بسبب اتهامات تتعلق بدعم أنشطة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ونقل أفراد ومعدات إلى مناطق نزاع في الشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق، يحذر محللون من أن السماح للشركة بالعمل المنتظم بين طهران وصنعاء قد يثير مخاوف أمنية لدى العديد من الأطراف الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل الاتهامات المستمرة لإيران بتقديم الدعم العسكري واللوجستي للحوثيين.
ويرى خبراء أن أي نشاط جوي خارج الإشراف الكامل للحكومة الشرعية قد يخلق بيئة خصبة لتوسيع النفوذ الإيراني في اليمن، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني القائم أساساً بفعل الحرب المستمرة منذ سنوات.
ضربة جديدة للناقل الوطني
لا تزال الخطوط الجوية اليمنية تعاني من خسائر كبيرة جراء الحرب، كان أبرزها فقدان عدد من طائراتها وتعطيل جزء من عملياتها التشغيلية خلال السنوات الماضية.
ويؤكد اقتصاديون أن استبعاد الشركة من خط صنعاء – طهران سيمثل ضربة إضافية لقدراتها المالية والتشغيلية، في وقت تحتاج فيه إلى الدعم والتعافي لاستعادة دورها الوطني والخدمي.
كما أن استمرار تهميش الناقل الوطني قد ينعكس سلباً على مستقبل قطاع الطيران المدني اليمني، ويضعف قدرة الدولة على إدارة حركة النقل الجوي من وإلى المناطق الواقعة خارج سيطرتها.
انعكاسات سياسية ودبلوماسية
سياسياً، قد يُنظر إلى قبول تشغيل رحلات منتظمة لشركة إيرانية إلى صنعاء على أنه اعتراف ضمني بواقع تفرضه جماعة الحوثي خارج إطار مؤسسات الدولة الشرعية.
ويحذر مراقبون من أن مثل هذه الخطوة قد تمنح الحوثيين مكاسب سياسية وإعلامية جديدة، وتستخدمها الجماعة لإظهار قدرتها على إدارة علاقات دولية مستقلة عن الحكومة المعترف بها دولياً.
كما قد يؤدي ذلك إلى توتر إضافي في علاقات اليمن مع بعض الدول الداعمة للشرعية، والتي ترى في تنامي النفوذ الإيراني تهديداً مباشراً لأمن المنطقة واستقرارها.
مخاوف من تكريس النفوذ الإيراني
يربط كثير من المحللين بين هذه الخطوة وبين استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى تعزيز حضورها في مناطق النفوذ التابعة لحلفائها في المنطقة.
وبحسب هذه الرؤية، فإن تحويل مطار صنعاء إلى منفذ جوي مباشر تديره شركة إيرانية قد يمنح طهران موطئ قدم أكثر رسوخاً داخل اليمن، ويعزز قدرتها على التأثير في المشهد السياسي والأمني مستقبلاً.
ويرى هؤلاء أن الخطر لا يكمن في رحلة واحدة أو عدد محدود من الرحلات، بل في تكريس واقع جديد تصبح فيه مؤسسات الدولة اليمنية غائبة لصالح ترتيبات تفرضها جماعة الحوثي وحلفاؤها الإقليميون.
السيادة الوطنية على المحك
ويجمع كثير من المتابعين على أن القضية في جوهرها تتعلق بالدفاع عن سيادة الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية. فالحكومة تؤكد أن الخطوط الجوية اليمنية قادرة على تشغيل الرحلات من مطار صنعاء متى ما توفرت الضمانات اللازمة لحماية الطائرات والأطقم وعدم التدخل في عمل الشركة.
كما أن مقترح استخدام طائرة مستأجرة عبر الخطوط الجوية اليمنية لإعادة العناصر الحوثية يمثل، من وجهة نظر الحكومة، حلاً يحافظ على السيادة الوطنية ويجنب البلاد تداعيات سياسية وأمنية قد تترتب على منح شركة أجنبية مرتبطة بأجندات إقليمية دوراً بديلاً عن الناقل الوطني.
ختاماً..
تبدو قضية إحلال شركة "ماهان" الإيرانية محل الخطوط الجوية اليمنية أكبر من مجرد ملف طيران مدني أو ترتيبات نقل مؤقتة. فبالنسبة للحكومة اليمنية ومؤيديها، تمثل المسألة اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية مؤسساتها السيادية ومنع تكريس نفوذ خارجي داخل أحد أهم المرافق الوطنية.
وبين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات السيادة، يبقى السؤال المطروح: هل ستنجح الشرعية في الحفاظ على دور الناقل الوطني، أم أن مطار صنعاء سيصبح بوابة جديدة لتعزيز الحضور الإيراني في اليمن؟
>
