طوابير الغاز تعود إلى تعز.. أزمة مزمنة وسط اتهامات بالفساد والتلاعب

السياسية - منذ 57 دقيقة
تعز، نيوزيمن، خاص:

بدلاً من أن يكون منشغلاً بمحاضرته الجامعية أو بمتابعة أبحاثه الأكاديمية، وجد الدكتور تامر الأشعري، أستاذ اللغة العربية بجامعة تعز، نفسه يتنقل بين شوارع المدينة بحثاً عن أسطوانة غاز منزلي. لم تكن قصته حدثاً فردياً، بل تحولت إلى مشهد يعكس واقعاً يعيشه آلاف المواطنين الذين باتوا يقضون ساعات طويلة في ملاحقة أبسط متطلبات الحياة.

ويقول ناشطون إن ما تعرض له الأشعري يجسد حجم التدهور الذي أصاب الخدمات الأساسية في تعز، حيث أصبحت الأزمات المتكررة تستنزف وقت المواطنين وإنتاجيتهم، في وقت يفترض أن تتفرغ الكفاءات العلمية والعملية لأداء أدوارها في خدمة المجتمع.

ومع تجدد أزمة الغاز المنزلي، توقفت غالبية محطات التعبئة ووكلاء التوزيع عن بيع المادة، الأمر الذي تسبب في عجز واسع بين السكان عن الحصول على احتياجاتهم اليومية.

وأكد مواطنون أن معظم المحطات أغلقت أبوابها خلال الأيام الماضية بسبب عدم وصول الإمدادات، فيما أرجع بعض وكلاء الغاز التوقف إلى تأخر وصول الشحنات، مع وعود باستئناف التوزيع خلال الأيام المقبلة، وهي تبريرات بات المواطنون يرون أنها تتكرر مع كل أزمة دون أن تضع حداً لمعاناتهم.

وتأتي هذه الأزمة في محافظة تعد من أكثر المحافظات اليمنية كثافة سكانية، وتعتمد شريحة واسعة من سكانها على الغاز المنزلي بصورة أساسية، ما يجعل أي انقطاع في الإمدادات ينعكس مباشرة على الحياة اليومية.

لم تقتصر الأزمة على الاستخدام المنزلي، بل امتدت إلى قطاع النقل بعد استمرار شح غاز المركبات، حيث اصطفت مئات السيارات والباصات في طوابير طويلة أمام محطات التعبئة، في مشهد تسبب بازدحامات مرورية خانقة وشلل جزئي في حركة النقل داخل المدينة.

ومع استمرار الأزمة، اضطر عدد من مالكي وسائل النقل إلى رفع تعرفة الركوب من 200 إلى 300 ريال، وهو ما أضاف أعباءً جديدة على المواطنين، خصوصاً مع التدهور الاقتصادي وارتفاع أسعار السلع والخدمات.

كما اضطر عشرات السائقين إلى المبيت داخل مركباتهم في انتظار دورهم للحصول على كميات محدودة من الغاز، في صورة تعكس حجم الاختناق الذي تعيشه المدينة.

تشير مصادر مطلعة إلى أن الكميات التي تصل إلى تعز من منشأة صافر لا تغطي الحد الأدنى من احتياجات المحافظة، إذ يحتاج السوق المحلي إلى نحو خمس مقطورات يومياً لتلبية الطلب، بينما تصل كميات أقل من ذلك بكثير، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب.

غير أن ناشطين ومهتمين بملف الطاقة يرون أن الأزمة لا ترتبط فقط بنقص الإمدادات، وإنما أيضاً بسوء إدارة الملف، مطالبين السلطة المحلية بتوضيح حجم الحصة المخصصة لتعز وآلية توزيعها، في ظل تكرار الأزمة بصورة دورية.

ويؤكد هؤلاء أن غياب الشفافية في إدارة الملف يفتح الباب أمام الشائعات والتساؤلات حول مصير الكميات المخصصة للمحافظة، ويزيد من فقدان ثقة المواطنين بالجهات المسؤولة.

وفي خضم الأزمة، تصاعدت اتهامات من ناشطين ومصادر محلية بوجود تلاعب في مخصصات الغاز الخاصة بتعز، وبتسرب جزء من الكميات إلى السوق السوداء أو تهريبها نحو مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي، مطالبين بفتح تحقيق شفاف لكشف مصير الحصص المخصصة للمحافظة ومحاسبة المتورطين إن ثبتت تلك الاتهامات.

ويرى مراقبون أن استمرار هذه الاتهامات دون ردود رسمية أو إجراءات رقابية واضحة يعمق الشكوك، ويجعل أزمة الغاز تتكرر بصورة تكشف وجود اختلالات تتجاوز مجرد نقص الإمدادات.

وتتزايد الانتقادات الموجهة للسلطة المحلية في تعز بسبب استمرار الأزمة دون حلول عملية، إذ يرى مواطنون أن الجهات المعنية اكتفت بتكرار الوعود مع كل أزمة، بينما تتفاقم معاناة السكان عاماً بعد آخر.

وفي هذا السياق، قالت الناشطة سكون العبسي: "لا تزال أزمة الغاز تخنق كافة أبناء محافظة تعز، والسبب مافيا المحاصصة ولوبي الفساد في وطن غني بالثروات النفطية"، في تعليق يعكس حالة السخط الشعبي إزاء استمرار الأزمة وتكرارها.

ويطالب ناشطون بإعادة النظر في آلية توزيع الغاز، وتشديد الرقابة على المحطات والوكلاء، ونشر بيانات دورية توضح حجم الكميات الواردة وآلية توزيعها، بما يضمن منع الاحتكار وإغلاق منافذ السوق السوداء.

ويرى مراقبون أن أزمة الغاز في تعز لم تعد مجرد أزمة تموينية عابرة، بل تحولت إلى مؤشر على تعثر إدارة الملفات الخدمية، في ظل غياب المعالجات المستدامة، واستمرار الجدل بشأن الحصص المخصصة للمحافظة وآليات توزيعها.