المهاجرين الأفارقة في صعدة.. ورقة تهديد أمني بيد الحوثيين
الحوثي تحت المجهر - منذ ساعتان و 8 دقائق
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
في الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمات الإنسانية والمعيشية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، تتكشف أبعاد جديدة لملف الهجرة غير النظامية على الحدود اليمنية السعودية، وتحديداً في محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة. فبدلاً من التعامل مع تدفقات المهاجرين الأفارقة بوصفها قضية إنسانية تستوجب المعالجة والحماية، تحولت هذه الموجات البشرية إلى أداة توظيف سياسي وأمني واقتصادي تخدم مصالح قيادات المليشيا وشبكات التهريب المرتبطة بها.
وتشير شهادات محلية وتقارير حقوقية ومعلومات متداولة من المناطق الحدودية إلى تصاعد عمليات تجميع المهاجرين القادمين من دول القرن الأفريقي في مناطق الشريط الحدودي، وسط اتهامات متزايدة لقيادات حوثية بتوفير التسهيلات اللوجستية والحماية لشبكات الاتجار بالبشر والتهريب، بما يجعل من هذا الملف أحد أخطر التحديات الأمنية التي تواجه اليمن والمنطقة.
وخلال الأشهر والسنوات الماضية، شهدت المناطق الحدودية في محافظة صعدة تزايداً ملحوظاً في أعداد المهاجرين الأفارقة الذين يتدفقون عبر شبكات تهريب منظمة من القرن الأفريقي إلى الأراضي اليمنية.
وبحسب مصادر محلية، لم يعد وجود هؤلاء المهاجرين يقتصر على محطات عبور مؤقتة نحو السعودية، بل تحول إلى تجمعات شبه دائمة ومستوطنات صغيرة تنتشر في الأودية والمناطق الجبلية القريبة من الحدود. وتثير هذه التحركات تساؤلات واسعة حول أسباب السماح باستقرار هذه الأعداد الكبيرة في مناطق تخضع لرقابة أمنية وعسكرية مشددة من قبل الحوثيين الذين يفرضون سيطرة صارمة على تحركات السكان المحليين.
ويرى مراقبون أن توسع هذه التجمعات لا يمكن أن يحدث بمعزل عن موافقة أو تسهيل من الجهات المسيطرة على الأرض، خصوصاً في محافظة تعد من أكثر المناطق العسكرية والأمنية حساسية بالنسبة للمليشيا.
وتتزايد الاتهامات الموجهة لقيادات حوثية نافذة بالاستفادة من نشاط شبكات تهريب البشر التي تنقل المهاجرين من السواحل اليمنية إلى المناطق الحدودية. وتؤكد مصادر محلية أن عمليات نقل المهاجرين تتم بصورة منتظمة عبر طرق ومنافذ تخضع لنقاط تفتيش تابعة للمليشيا، الأمر الذي يعزز الشكوك بشأن وجود مصالح اقتصادية مباشرة تستفيد من استمرار تدفق المهاجرين وتوسع شبكات التهريب.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن بعض القيادات الحوثية توفر الحماية لهذه الشبكات مقابل عائدات مالية ضخمة، في حين يتم استغلال المهاجرين أنفسهم كسلعة في سوق الاتجار بالبشر، حيث يتعرضون للابتزاز والاستغلال والعمل القسري في ظروف بالغة القسوة.
أخطر ما يكشفه هذا الملف هو تحول المهاجرين من ضحايا للحروب والفقر إلى أدوات يتم توظيفها لخدمة أجندات المليشيا. فوفقاً لشهادات محلية وتقارير أمنية، استغلت جماعة الحوثي حاجة المهاجرين الماسة للمال أو الرغبة في الوصول إلى الأراضي السعودية، لتجنيد بعضهم في أعمال لوجستية ومهام ميدانية مرتبطة بالصراع القائم.
وتتحدث مصادر أمنية عن حصول مجموعات من المهاجرين على أسلحة خفيفة ومتوسطة واستخدامهم في أنشطة مرتبطة بالمراقبة والتهريب والتحركات الحدودية، بما يجعلهم جزءاً من منظومة غير رسمية تخدم المصالح العسكرية للمليشيا.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى نشوء تشكيلات مسلحة خارجة عن القانون يصعب احتواؤها مستقبلاً، خاصة في ظل استمرار حالة الفراغ الأمني وانعدام الرقابة الدولية الفاعلة.
بالتزامن مع تنامي أعداد المهاجرين، تصاعدت المخاوف الشعبية من تداعيات الانفلات الأمني في المناطق الحدودية. وتداول ناشطون ومواطنون خلال الأيام الماضية مقاطع مصورة تظهر تجمعات كبيرة لمهاجرين في مناطق وعرة على الحدود، بعضها يضم أشخاصاً يحملون أسلحة، الأمر الذي أثار موجة واسعة من القلق بين السكان المحليين.
كما تحدث مواطنون عن وقوع حوادث قتل وسلب واعتداءات استهدفت مسافرين وسكاناً في المناطق القريبة من تلك التجمعات، في ظل غياب أي إجراءات حقيقية من قبل سلطات الحوثيين لمعالجة الوضع أو الحد من تنامي هذه الظاهرة.
ويرى مراقبون أن استمرار تجاهل هذه المخاطر يعكس وجود مصالح تتجاوز البعد الإنساني، وتكشف عن استفادة أطراف نافذة من حالة الفوضى التي تحيط بملف الهجرة غير النظامية.
وفي تطور لافت، كشفت المؤسسة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر عن تصاعد الجريمة المنظمة في منطقة الرقو الحدودية بمحافظة صعدة، متهمة مجاميع مسلحة من المهاجرين غير النظاميين بإدارة شبكات تهريب واسعة النطاق.
وأكدت المؤسسة أن الانتهاكات لم تعد تقتصر على أنشطة التهريب، بل امتدت إلى جرائم قتل واحتجاز وابتزاز بحق مواطنين يمنيين، معتبرة أن ما يجري يمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي والسيادة الوطنية.
وطالبت المؤسسة بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للكشف عن الجهات التي توفر الدعم والإسناد لهذه الأنشطة، كما دعت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بالهجرة إلى تحمل مسؤولياتها تجاه الأوضاع المتدهورة في المناطق الحدودية.
ورغم المخاوف الأمنية المتزايدة، يؤكد حقوقيون أن غالبية المهاجرين الأفارقة الموجودين في اليمن هم ضحايا لظروف اقتصادية وإنسانية قاسية دفعتهم إلى مغادرة بلدانهم بحثاً عن فرص أفضل للحياة. غير أن سياسات الحوثيين، وفق مراقبين، ساهمت في تحويل معاناتهم إلى مورد استثماري يدر الأرباح على شبكات التهريب ويخدم أهدافاً أمنية وعسكرية، بدلاً من توفير الحماية اللازمة لهم أو تسهيل إعادتهم بطرق قانونية وآمنة.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني والإنساني بصورة أكبر، خاصة مع تزايد أعداد الوافدين وتوسع أنشطة الشبكات المنظمة العابرة للحدود. ولم تعد قضية المهاجرين الأفارقة في صعدة مجرد ملف محلي مرتبط بالهجرة غير النظامية، بل تحولت إلى قضية إقليمية ترتبط بأمن الحدود واستقرار المنطقة.
ففي ظل استمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الشريط الحدودي، واستمرار تدفق المهاجرين وتنامي شبكات التهريب والتجنيد، تتزايد المخاوف من تحول هذه المناطق إلى بؤر دائمة للفوضى والجريمة المنظمة، بما يهدد الأمن اليمني والسعودي على حد سواء.
ويجمع مراقبون على أن معالجة هذا الملف تتطلب استعادة مؤسسات الدولة لسلطتها على المناطق الحدودية، وتجفيف منابع الاتجار بالبشر، ومحاسبة الجهات المتورطة في استغلال المهاجرين وتحويل معاناتهم الإنسانية إلى أداة لخدمة مشاريع الفوضى والابتزاز التي تديرها مليشيا الحوثي في معقلها الرئيسي بمحافظة صعدة.
>
