"النصر المُدبّر".. غطاء سياسي لتصعيد عسكري إيراني مستمر
السياسية - منذ ساعتان و 11 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:
كشف تحليل صادر عن منتدى الشرق الأوسط، عن ملامح استراتيجية إيرانية أكثر تعقيدًا في إدارة الصراع الإقليمي والدولي، تقوم على المزج بين التصعيد العسكري المحسوب والانخراط في مسارات تفاوضية متوازية، في محاولة لصياغة ما بات يوصف داخل دوائر سياسية بـ"النصر المُدبّر"، أي تحقيق مكاسب استراتيجية دون الذهاب إلى حرب شاملة أو تسوية نهائية.
وبحسب التحليل، الذي أعدّه الكاتب والمحلل السياسي ماردو سوغوم، فإن هذا النهج لا يعكس تراجعًا عن المواجهة ولا اندفاعًا نحو الحرب المفتوحة، بل إعادة تعريف لطبيعة الصراع ذاته، بحيث تصبح العمليات العسكرية أداة ضغط محسوبة ضمن مسار تفاوضي طويل، وليس بديلًا عنه أو نقيضًا له.
وتبرز في هذا السياق رسالة رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، بتاريخ 8 يونيو/حزيران 2026، والتي شدد فيها على أن هدف المحادثات مع الولايات المتحدة لا يتمثل في تطبيع العلاقات، بل في إنهاء حالة الحرب وإعادة تشكيل "ترتيب أمني جديد" في المنطقة. ووفق التحليل، فإن اللافت في خطاب قاليباف أنه لم يقدم الدبلوماسية كمسار بديل للصراع، بل كجزء مدمج فيه، ما يعكس تصورًا يقوم على إدارة المواجهة بدل إنهائها.
ويشير التحليل إلى أن هذا الخطاب جاء في لحظة إقليمية شديدة التوتر، اتسمت بتصعيد عسكري متبادل في أكثر من ساحة. ففي 7 يونيو/حزيران، أطلقت إيران صواريخ باليستية باتجاه شمال إسرائيل ردًا على ضربات إسرائيلية في لبنان، ما دفع تل أبيب إلى تنفيذ ضربات داخل العمق الإيراني.
وعلى الرغم من التهدئة المؤقتة التي أعقبت ذلك، فإن التطورات سرعان ما عادت للتصاعد بعد حادثة تحطم مروحية أمريكية قرب مضيق هرمز في 9 يونيو، وما تبعها من تبادل اتهامات بين واشنطن وطهران، قبل أن تنفذ الولايات المتحدة ضربات استهدفت مواقع رادار ودفاع جوي على السواحل الإيرانية المطلة على الخليج.
وفي اليوم التالي، ردت إيران بسلسلة هجمات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت مرتبطة بالقوات الأمريكية في البحرين والكويت والأردن، في واحدة من أكثر جولات التصعيد المباشر بين الطرفين منذ سنوات، وفق ما أورده التحليل.
ويرى سوغوم أن أهمية هذه التطورات لا تكمن فقط في حجمها العسكري، بل في توقيتها السياسي، إذ جاءت متزامنة مع رسائل تفاوضية إيرانية تؤكد أن التصعيد لا يتعارض مع الدبلوماسية، بل يُستخدم لتقويتها وتعزيز شروطها.
وفي تسجيل صوتي منسوب لقاليباف، أشار المسؤول الإيراني إلى أن فهم "ديناميكيات ساحة المعركة" يعد شرطًا أساسيًا لنجاح أي مفاوضات، معتبرًا أن الاكتفاء بالدبلوماسية التقليدية القائمة على اللقاءات البروتوكولية "لن يؤدي إلى نتائج"، في حين أن العمل العسكري وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية لطهران. ووفق التحليل، فإن هذا الطرح يعكس تحولًا في التفكير السياسي الإيراني باتجاه دمج أدوات القوة الصلبة والناعمة ضمن مسار واحد.
كما نقل التحليل عن وسائل إعلام إيرانية، من بينها قناة "نور نيوز" التابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي، وصفها للعمل العسكري بأنه "محرك لتوليد القوة" يهدف إلى ردع الخصوم وخلق بيئة تفاوضية أكثر ملاءمة لطهران، في حين تُستخدم الدبلوماسية كأداة لتحويل النتائج الميدانية إلى مكاسب سياسية واقتصادية وقانونية.
ويشير هذا التصور إلى أن طهران لا تنظر إلى التصعيد باعتباره مرحلة مؤقتة تسبق التفاوض، بل كعنصر دائم في إدارة الصراع، يُعاد توظيفه بحسب تطورات الميدان وموازين القوى.
في المقابل، يتطرق التحليل إلى البعد الاقتصادي المتصاعد في هذه المعادلة، مشيرًا إلى أن الحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية، وما تبعه من تراجع في صادرات النفط وشح في العملات الأجنبية، يشكل ضغطًا متزايدًا على الاقتصاد الإيراني. ورغم أن طهران تمكنت جزئيًا من التأثير على حركة الملاحة في مضيق هرمز ورفع أسعار الطاقة عالميًا، إلا أن ذلك لم ينعكس حتى الآن على تغيير جوهري في الموقف الأمريكي أو دفع واشنطن إلى تقديم تنازلات سياسية ملموسة.
ويرى التحليل أن هذه المفارقة تضع القيادة الإيرانية أمام معادلة معقدة: فالتصعيد يحقق بعض المكاسب التكتيكية لكنه يفرض في الوقت ذاته كلفة اقتصادية داخلية متزايدة، قد تحد من هامش الحركة على المدى المتوسط.
كما يشير إلى أن استمرار الضغوط الاقتصادية، إلى جانب القيود على التصدير والتحويلات المالية، يفاقم من التحديات الداخلية، ويجعل خيار إدارة الصراع بدل إنهائه أكثر حضورًا في الاستراتيجية الإيرانية، باعتباره يتيح لطهران الحفاظ على أوراق القوة الأساسية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وخلص التحليل إلى أن ما تسعى إليه طهران في المرحلة الراهنة ليس تحقيق نصر عسكري حاسم ولا قبول تسوية نهائية، بل الوصول إلى صيغة وسطية تقوم على "النصر المُدبّر"، أي تحقيق مكاسب تدريجية عبر الضغط العسكري المدروس، بالتوازي مع مفاوضات سياسية مرنة، بما يضمن الحفاظ على النفوذ الإقليمي وتثبيت عناصر القوة الاستراتيجية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، وشبكات النفوذ الإقليمي.
>
