تحليل: إيران تسعى لفرض واقع جديد في مضيق هرمز عبر "السيطرة الذكية"

السياسية - منذ ساعة و 51 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:

حذر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى من أن إيران تمضي في تنفيذ واحدة من أكثر خططها طموحاً للسيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، عبر ما أطلق عليه استراتيجية "السيطرة الذكية"، وهي خطوة يرى المعهد أنها تهدف إلى تحويل المضيق من ممر دولي مفتوح إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية تمنح طهران نفوذاً إضافياً في مواجهة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

وفي تحليل أعده الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع الإيراني فرزين نديمي، أكد المعهد أن المواجهة بين واشنطن وطهران لم تعد تقتصر على الضربات العسكرية المتبادلة أو المفاوضات السياسية، بل امتدت إلى معركة جديدة للسيطرة على أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة والتجارة الدولية.

وأوضح التحليل أن إيران أعلنت خلال الأسابيع الماضية إنشاء ما يسمى "سلطة مضيق الخليج الفارسي"، وهي هيئة تسعى إلى فرض إجراءات جديدة على السفن العابرة للمضيق، تشمل الحصول على تصاريح مسبقة، والخضوع لعمليات تفتيش أمنية وبيئية، وتقديم ضمانات مالية، ودفع رسوم تأمين خاصة عبر منصة رقمية إيرانية أطلقت لهذا الغرض.

ويرى المعهد أن هذه الخطوة تمثل تحولاً نوعياً في الاستراتيجية الإيرانية، إذ انتقلت طهران من سياسة التهديد بإغلاق المضيق أو احتجاز السفن بصورة متفرقة إلى محاولة إنشاء منظومة رقابية وإدارية دائمة تمنحها سلطة فعلية على حركة الملاحة الدولية دون الحاجة إلى إعلان إغلاق رسمي للممر البحري.

وبحسب التحليل، فإن المشروع الإيراني لا يقتصر على المياه الإقليمية التابعة لطهران، بل يمتد ليشمل مناطق بحرية قريبة من الإمارات وسلطنة عمان، الأمر الذي أثار اعتراضات إقليمية ودولية واسعة باعتباره تجاوزاً للسيادة البحرية المعترف بها دولياً.

أهداف تتجاوز الأمن البحري

ويعتقد الباحث أن الدوافع الإيرانية وراء المشروع تتجاوز الاعتبارات الأمنية المعلنة، لتشمل أهدافاً سياسية واقتصادية مرتبطة بالأزمة الداخلية التي تواجهها البلاد والضغوط المتزايدة الناتجة عن العقوبات الدولية.

ففي الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من تراجع حاد في عائدات النفط وتصاعد الضغوط المعيشية، تحاول القيادة الإيرانية، وفق التحليل، توظيف قضية مضيق هرمز لحشد التأييد الداخلي وإظهار نفسها باعتبارها المدافع عن المصالح الوطنية في مواجهة الضغوط الغربية.

كما يتزامن المشروع مع مرحلة حساسة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وهو ما دفع الباحث إلى اعتبار الخطوة محاولة لخلق أوراق ضغط جديدة على طاولة التفاوض عبر فرض "حقائق ميدانية" تمنح طهران قدرة أكبر على انتزاع التنازلات مستقبلاً.

وأشار التحليل إلى أن إيران تسعى كذلك إلى تكريس فكرة امتلاكها دوراً مقرراً في إدارة الملاحة عبر المضيق، بما يسمح لها مستقبلاً بالتأثير على تدفقات النفط والتجارة العالمية كلما دعت الحاجة السياسية أو العسكرية إلى ذلك.

وأوضح المعهد أن ردود الفعل الإقليمية والدولية جاءت سريعة وحاسمة، حيث رفضت الإمارات العربية المتحدة المشروع فور الإعلان عنه، واعتبرته انتهاكاً واضحاً للسيادة والقانون الدولي.

كما تحركت دول مجلس التعاون الخليجي بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية لإصدار تحذيرات رسمية تدعو شركات الشحن العالمية إلى عدم الامتثال للإجراءات الإيرانية وعدم الاعتراف بأي سلطة أحادية الجانب لتنظيم المرور في المضيق.

وفي المقابل، اتخذت الولايات المتحدة خطوات عملية لمواجهة المشروع، كان أبرزها التحذير الذي أصدرته القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية في 29 مايو، والذي دعت فيه السفن التجارية إلى التنسيق المباشر مع القوات البحرية الأمريكية أثناء عبورها وعدم الالتزام بالأنظمة الإيرانية الجديدة.

ويرى التحليل أن هذه الخطوة مثلت أول تحدٍ عملي مباشر لمحاولة طهران فرض سلطتها على المضيق، وأرسلت رسالة واضحة بأن واشنطن لن تسمح بتغيير قواعد الملاحة الدولية المعمول بها منذ عقود.

لا شرعية قانونية للمخطط الإيراني

وشدد الباحث على أن المزاعم الإيرانية بشأن شرعية هذه الإجراءات لا تستند إلى أي أساس قانوني معترف به دولياً. فبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يُعد مضيق هرمز ممراً دولياً يخضع لنظام "المرور العابر"، الذي يضمن حرية الملاحة لجميع السفن ولا يسمح للدول الساحلية بفرض قيود انتقائية أو رسوم أو تراخيص مسبقة على حركة العبور.

وأكد التحليل أن محاولات طهران فرض رسوم أو تصاريح أو توسيع نطاق سلطتها إلى المياه التابعة لدول أخرى تمثل تجاوزاً واضحاً للقانون الدولي، ولا تحظى بأي اعتراف من المجتمع الدولي أو المؤسسات البحرية المختصة.

كما رفض الباحث الادعاءات الإيرانية بوجود ترتيبات قانونية خاصة مع سلطنة عمان تمنح البلدين حق الإدارة المشتركة للمضيق، مؤكداً أن هذه المزاعم لا تستند إلى اتفاقيات تاريخية أو قانونية مماثلة لتلك الموجودة في ممرات مائية دولية أخرى.

وأشار التحليل إلى أن إيران تحاول فرض الامتثال لمشروعها عبر مزيج من الضغوط العسكرية والتهديدات الأمنية، مستشهداً بسلسلة من الحوادث التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الماضية، بما في ذلك محاولات زرع ألغام بحرية وهجمات على سفن تجارية وعمليات نفذتها طائرات مسيرة وصواريخ تابعة للحرس الثوري.

إلا أن المعهد يرى أن قدرة طهران على الاستمرار في هذه السياسة تتآكل تدريجياً نتيجة الخسائر التي لحقت بقدراتها البحرية والعسكرية، إضافة إلى التأثير المتزايد للعقوبات الأمريكية التي قلصت صادرات النفط الإيرانية وألحقت أضراراً كبيرة بمصادر الدخل الرئيسية للنظام.

ولفت التحليل إلى أن تراجع حركة الملاحة عبر المضيق وارتفاع تكاليف التأمين البحري ينعكسان سلباً على الاقتصاد الإيراني نفسه، ما يجعل استمرار الأزمة لفترة طويلة عبئاً على طهران بقدر ما يمثل تحدياً للمجتمع الدولي.

دعوات لتشكيل قوة دولية لحماية هرمز

وفي ختام التحليل، دعا معهد واشنطن الإدارة الأمريكية إلى تبني استراتيجية شاملة لمواجهة المشروع الإيراني، تشمل إنشاء قوة بحرية دولية متخصصة بحماية الملاحة في مضيق هرمز، وتوسيع العقوبات على الجهات المتعاونة مع الإجراءات الإيرانية، وتعزيز التنسيق مع دول الخليج والشركاء الدوليين لضمان استمرار حرية الملاحة وفق القواعد الدولية.

وأشار الباحث إلى أن نجاح إيران في فرض هذا النموذج سيشكل سابقة خطيرة قد تشجع دولاً أخرى على استخدام الممرات البحرية الدولية كأدوات للضغط والابتزاز السياسي، بينما يمثل إفشال المشروع خطوة ضرورية للحفاظ على أمن التجارة العالمية ومنع تحويل مضيق هرمز إلى منطقة خاضعة للإكراه والهيمنة السياسية.