الإخوان والقاعدة وداعش.. مسار الانشقاقات الذي أعاد إنتاج الإرهاب
السياسية - منذ ساعة و 28 دقيقة
عدن، نيوزيمن خاص:
على امتداد ما يقارب مئة عام، ظل تنظيم الإخوان المسلمين أحد أكثر الحركات الإسلامية إثارة للجدل في العالم العربي والإسلامي. وبينما يقدم التنظيم نفسه كحركة دعوية وسياسية تسعى إلى إصلاح المجتمع والدولة وفق مرجعية إسلامية، يرى باحثون وخبراء في شؤون الحركات المتشددة أن الجماعة أسست، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لبيئة فكرية وتنظيمية ساهمت في ولادة عدد من أخطر التنظيمات التي شهدها العالم خلال العقود الماضية.
ومع تنامي موجات الإرهاب التي ضربت مناطق مختلفة من الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا وأوروبا، عاد الجدل مجدداً حول العلاقة بين أدبيات الإخوان والتنظيمات التي خرجت من عباءتها أو تأثرت بأفكارها، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، إضافة إلى عشرات الجماعات المسلحة التي تبنت خطاباً يقوم على التكفير والإقصاء واستخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية وعقائدية.
ويرى مختصون أن فهم ظاهرة الإرهاب الحديثة يتطلب العودة إلى الجذور الفكرية والتنظيمية التي شكلت الأرضية التي انطلقت منها هذه التنظيمات، إذ لم تظهر الجماعات المتشددة بمعزل عن سياقات فكرية وتنظيمية سابقة، بل جاءت نتيجة مسار طويل من الانشقاقات والتحولات الفكرية التي شهدتها الحركات الإسلامية منذ بدايات القرن الماضي.
وفي هذا السياق، قال الخبير في شؤون الجماعات المتشددة بمركز تريندز للبحوث والاستشارات، علي بكر، إن الفكر المتشدد لم يكن غريباً عن التاريخ الإنساني، لكن العقود الأخيرة شهدت توسعاً غير مسبوق في انتشاره وإعادة إنتاجه عبر تنظيمات متعددة ومتباينة في الأسماء والوسائل.
وأوضح في تحليل نشره موقع "سكاي نيوز عربية" أن ما يميز مرحلة ما بعد ظهور جماعة الإخوان المسلمين هو بروز ما يعرف بـ"ظاهرة انشطار التطرف"، حيث شهدت الجماعة عبر تاريخها خروج تيارات ومجموعات اعتبرت أن الإخوان لم يعودوا يمثلون المشروع الإسلامي بالشكل الذي تراه تلك المجموعات، لتنشأ تنظيمات أكثر تشدداً تتبنى رؤى أكثر راديكالية.
وأضاف أن كل تنظيم جديد كان يسعى إلى إثبات أنه الأكثر التزاماً بالفكرة والأقدر على تحقيق أهدافها، ما أدى إلى ظهور حالة من التنافس المستمر بين الجماعات المتشددة، سواء في مجال التجنيد أو الانتشار أو تنفيذ العمليات المسلحة.
ويشير باحثون إلى أن تاريخ الحركات الإسلامية شهد سلسلة طويلة من الانشقاقات الفكرية والتنظيمية، حيث خرجت مجموعات عديدة من رحم جماعة الإخوان أو تأثرت بأدبياتها قبل أن تتبنى خيارات أكثر عنفاً.
ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ظهرت جماعات حملت أفكاراً أكثر تشدداً، مستندة إلى مفاهيم تتعلق بالحاكمية والتكفير ورفض الأنظمة السياسية القائمة، قبل أن تتطور هذه الأفكار لاحقاً إلى حركات مسلحة عابرة للحدود.
ومع اندلاع الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي خلال الثمانينيات، وجدت تلك الأفكار فرصة للتوسع، حيث تشكلت شبكات جهادية دولية ضمت مقاتلين من دول مختلفة، الأمر الذي مهد لاحقاً لظهور تنظيم القاعدة كأول تنظيم عالمي يتبنى مشروعاً عابراً للدول.
ومع بداية الألفية الجديدة، دخلت الحركات المتشددة مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، تجسدت في صعود تنظيم داعش الذي استطاع توظيف الفوضى الأمنية والصراعات الإقليمية لتأسيس كيان مسلح أعلن ما أسماه "الخلافة"، مستقطباً آلاف المقاتلين من مختلف أنحاء العالم.
وبحسب علي بكر، فإن أخطر ما يميز الجماعات المتشددة هو قدرتها المستمرة على إعادة إنتاج نفسها رغم الضربات العسكرية والأمنية التي تتعرض لها. وأوضح أن سقوط تنظيم أو مقتل قياداته لا يعني بالضرورة انتهاء الفكر الذي يستند إليه، إذ غالباً ما تنشأ جماعات جديدة تحمل الأفكار ذاتها ولكن بأسماء مختلفة وأساليب أكثر تطوراً.
وأشار إلى أن التنظيمات المتشددة تتشارك في اعتقادها بأنها الممثل الشرعي الوحيد للإسلام، وأنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وهو ما يدفعها إلى تكفير أو تخوين مخالفيها، سواء كانوا من الحكومات أو المجتمعات أو حتى من الجماعات الإسلامية الأخرى.وأضاف أن هذا الاعتقاد يمثل أحد أبرز المحركات الأساسية للعنف، لأنه يبرر استخدام القوة ضد كل من يُنظر إليه باعتباره خصماً أو عدواً.
ويؤكد الخبراء أن الجماعات المتشددة لا تنمو في البيئات المستقرة، بل تجد فرصتها الحقيقية في الدول التي تعاني من الحروب والانقسامات وضعف المؤسسات. فكلما تراجعت قدرة الدولة على فرض الأمن وتقديم الخدمات الأساسية، ازدادت قدرة التنظيمات المسلحة على التغلغل داخل المجتمعات واستقطاب الأفراد.
وفي العديد من مناطق النزاع، نجحت هذه الجماعات في تقديم نفسها كبديل للسلطة الرسمية، من خلال توفير الحماية أو الخدمات أو الدعم المالي، مستفيدة من حالة الفراغ السياسي والأمني. كما تلعب النزاعات الطائفية والعرقية دوراً محورياً في تعزيز نفوذ تلك الجماعات، إذ تستثمر الانقسامات المجتمعية لتجنيد الأتباع وتبرير عملياتها المسلحة تحت شعارات الدفاع عن الهوية أو حماية المكونات الاجتماعية.
وأوضح بكر أن تجربة جماعة "أنصار الإسلام والمسلمين" في منطقة الساحل الإفريقي تمثل نموذجاً واضحاً لكيفية تحول بعض الحركات المحلية إلى جماعات مرتبطة بالتنظيمات الإرهابية الدولية. وأشار إلى أن بعض المجموعات القبلية والعرقية التي كانت ترفع مطالب محلية وجدت أن الانضمام إلى القاعدة أو تبني الخطاب الجهادي يوفر لها مصادر تمويل أكبر وقدرة أعلى على الحشد والتوسع.
وأضاف أن الروابط القبلية والعائلية تمنح تلك الجماعات مزايا ميدانية مهمة، أبرزها توفير الملاذات الآمنة وتأمين خطوط الإمداد وتسهيل عمليات التجنيد.
وفي جانب آخر من التحليل، يرى بكر أن التأثير الأبرز لجماعة الإخوان لا يقتصر على الجانب الفكري فحسب، بل يمتد إلى الجانب التنظيمي أيضاً. وأوضح أن معظم التنظيمات المتشددة استنسخت الهيكل التنظيمي الهرمي الذي تقوم عليه الجماعة، والقائم على مركزية القرار والطاعة المطلقة للقيادة.
وقال إن مفهوم "المرشد" لدى الإخوان تحول لدى تنظيم القاعدة إلى "الأمير"، ولدى طالبان إلى "أمير المؤمنين"، بينما بقيت الفكرة الأساسية قائمة على منح القيادة سلطة دينية وتنظيمية واسعة. وأشار إلى أن هذا النموذج يربط بين الالتزام التنظيمي والواجب الديني، الأمر الذي يمنح القيادات قدرة كبيرة على التحكم بالأتباع والحفاظ على تماسك التنظيم حتى في أصعب الظروف.
ويخلص مراقبون إلى أن الإرهاب المعاصر لم يكن نتيجة حدث منفرد أو ظرف طارئ، بل جاء نتيجة تراكمات فكرية وتنظيمية امتدت لعقود طويلة، بدأت مع ظهور حركات الإسلام السياسي وتطورت عبر موجات من الانشقاقات والتشدد، لتنتج شبكة واسعة من التنظيمات التي اختلفت في الأسماء والشعارات، لكنها تشابهت في بنيتها الفكرية القائمة على الإقصاء واحتكار الحقيقة وتبرير العنف كوسيلة لتحقيق الأهداف.
>
