تعديلات أميركية أكثر صرامة تعقّد مسار التفاهم مع إيران
العالم - منذ ساعة و 12 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن:
دخلت المفاوضات الأميركية الإيرانية مرحلة جديدة من التعقيد بعد أن طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إدخال تعديلات وصفت بأنها "أكثر صرامة" على مسودة الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه بين الجانبين، في خطوة تعكس تمسك واشنطن بانتزاع ضمانات إضافية تتعلق بالملف النووي الإيراني وأمن الملاحة في مضيق هرمز، رغم الأجواء الإيجابية التي سادت خلال الأيام الماضية بشأن إمكانية التوصل إلى تفاهم ينهي المواجهة العسكرية المستمرة بين الطرفين.
وبحسب ما كشفه موقع "أكسيوس" الأميركي، فإن ترامب عقد اجتماعاً في غرفة العمليات بالبيت الأبيض مع كبار مسؤولي إدارته المعنيين بالملف الإيراني، ووجّه بإعادة النظر في عدد من بنود المسودة التي كانت قد شهدت توافقاً أولياً بين الوفدين الأميركي والإيراني، مطالباً بتشديد القيود المتعلقة بالمواد النووية الإيرانية والحصول على تفاصيل إضافية بشأن آليات الرقابة والسيطرة على مخزون اليورانيوم المخصب.
ونقل الموقع عن مسؤولين أميركيين أن الرئيس الأميركي لا يزال يرغب في إبرام الاتفاق في أقرب وقت ممكن، إلا أنه يرفض المضي قدماً قبل الحصول على ضمانات أكثر وضوحاً ودقة، خصوصاً فيما يتعلق بإمكانية إعادة تشغيل البرنامج النووي الإيراني مستقبلاً أو استغلال أي ثغرات قد تسمح لطهران بالاحتفاظ بقدرات يمكن تحويلها إلى أغراض عسكرية.
كما شملت المراجعات الأميركية البنود المتعلقة بمضيق هرمز، حيث طلب ترامب إعادة صياغة التفاهمات الخاصة بالممر البحري الحيوي الذي يشكل أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية. ويأتي ذلك في ظل استمرار التوتر بشأن إدارة المضيق بعد أن أقدمت إيران على إغلاقه مع اندلاع الحرب، قبل أن ترد واشنطن بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية.
في السياق ذاته، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الإدارة الأميركية أرسلت بالفعل نسخة معدلة من مسودة الاتفاق إلى الجانب الإيراني تتضمن شروطاً أكثر تشدداً من تلك التي تم تداولها خلال جولات التفاوض السابقة. وتشير هذه الخطوة إلى أن البيت الأبيض يسعى إلى استثمار ما يعتبره مكاسب عسكرية وسياسية تحققت خلال الأشهر الماضية لفرض تفاهم يحقق أهدافه الاستراتيجية طويلة الأمد تجاه إيران.
كما أبدى ترامب، وفقاً للمصادر الأميركية، تحفظات واضحة على البنود المتعلقة بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، معرباً عن انزعاجه من أي التزامات قد تفضي إلى تحرير أصول مالية لطهران قبل التأكد من تنفيذها الكامل لبنود الاتفاق. كذلك عبّر عن استيائه من بطء الردود الإيرانية خلال المباحثات غير المباشرة التي جرت عبر وسطاء إقليميين، بينهم باكستان.
وفي تصريحات بثتها قناة "فوكس نيوز"، أكد ترامب أنه حصل على تعهدات إيرانية بعدم امتلاك سلاح نووي، سواء عبر التصنيع أو الشراء من أطراف أخرى.
وقال الرئيس الأميركي إن المسؤولين الإيرانيين أبلغوا واشنطن في البداية أنهم لن يصنعوا سلاحاً نووياً، مضيفاً أنه سألهم عما إذا كانوا سيسعون إلى شراء سلاح نووي من الخارج، ليحصل لاحقاً على تأكيدات بعدم التصنيع أو الشراء على حد سواء.
ورغم هذه المؤشرات، شدد ترامب على أن إدارته لا تتعامل مع الملف تحت ضغط الوقت، قائلاً: "لسنا في عجلة من أمرنا. ببطء ولكن بثبات نحصل على ما نريد، وإذا لم نحصل على ما نريد فستسير الأمور في اتجاه مختلف".
وتعكس هذه التصريحات رغبة أميركية في الحفاظ على أوراق الضغط العسكرية والاقتصادية خلال مرحلة التفاوض، وعدم تقديم تنازلات مجانية قبل الحصول على التزامات نهائية من الجانب الإيراني.
في المقابل، أكد رئيس مجلس الشورى الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف أن طهران لن تقبل بأي اتفاق لا يضمن "حقوق الشعب الإيراني"، في إشارة إلى تمسك الجمهورية الإسلامية بمطالبها المتعلقة برفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة ووقف الضغوط العسكرية والاقتصادية المفروضة عليها.
وتطالب إيران بالإفراج عن مليارات الدولارات من أصولها المحتجزة في الولايات المتحدة. وبحسب تسريبات إعلامية إيرانية، فإن إحدى النسخ غير الرسمية لمسودة التفاهم تتضمن الإفراج عن نحو 12 مليار دولار خلال ستين يوماً، إلا أن ترامب كان قد أعلن الجمعة أن أي تحويلات مالية أو تبادل للأموال لن يتم "حتى إشعار آخر"، ما يعكس وجود فجوة كبيرة بين مواقف الطرفين.
ورغم استمرار الاتصالات السياسية، فإن التطورات العسكرية لا تزال تلقي بظلالها على المفاوضات. فقد أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن الولايات المتحدة قادرة على العودة إلى العمليات العسكرية ضد إيران إذا فشلت المحادثات الحالية.
وفي الميدان، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أنها عطلت سفينة كانت متجهة إلى أحد الموانئ الإيرانية بعد استهداف غرفة محركاتها بصاروخ، فيما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن استمرار القيود الأميركية على حركة السفن التجارية الإيرانية.
من جهته، أعلن الحرس الثوري الإيراني إسقاط طائرة أميركية مسيّرة قال إنها كانت تستعد لتنفيذ "عمليات عدائية" داخل المياه الإقليمية الإيرانية، في حادثة تعكس هشاشة الوضع الأمني وإمكانية انزلاق المنطقة مجدداً نحو مواجهة أوسع في أي لحظة.
ويرى مراقبون أن العقبات الأساسية أمام التوصل إلى اتفاق نهائي لا تزال تتمثل في ثلاثة ملفات رئيسية: البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، والأصول المالية الإيرانية المجمدة.
وبينما تسعى واشنطن إلى ضمانات صارمة تمنع إيران من تطوير أي قدرات نووية عسكرية مستقبلاً، تتمسك طهران بالحصول على مكاسب اقتصادية ملموسة ورفع جزء من العقوبات قبل تقديم تنازلات جوهرية. كما يبقى ملف مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية نظراً لارتباطه المباشر بأمن الطاقة العالمي والمصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى.
ومع إطلاق جولة جديدة من التفاوض عقب التعديلات التي طلبها ترامب، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق قائمة، لكنها ما تزال رهينة قدرة الطرفين على تجاوز خلافات عميقة تتجاوز مجرد الصياغات الفنية إلى صراع أوسع على النفوذ والأمن الإقليمي ومستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران بعد أشهر من الحرب والتصعيد.
>
