تنسيق أمريكي–فرنسي متصاعد لملاحقة "الإخوان".. من الدبلوماسية إلى المواجهة
السياسية - منذ ساعة و 16 دقيقة
باريس، نيوزيمن:
تشهد الساحة الأوروبية تحوّلاً لافتاً في مقاربة ملف الإخوان المسلمين، مع اتساع دائرة التنسيق بين واشنطن وباريس نحو صياغة إطار أكثر صرامة يستهدف البنية التنظيمية والمالية للجماعة، في خطوة تعكس انتقال الملف من مستوى النقاش السياسي إلى مسار تشريعي وأمني أكثر تعقيداً داخل أوروبا.
وبحسب معطيات سياسية متقاطعة، بدأت ملامح هذا التنسيق تتبلور بشكل أوضح في الثامن عشر من مايو/أيار الجاري، حين قامت نانسي دحدوح، مديرة مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، بزيارة مقر حزب "الجمهوريون" في باريس، يرافقها ممثلون عن السفارة الأمريكية، في لقاء لم يكن بروتوكولياً بقدر ما حمل إشارات إلى بداية اصطفاف سياسي–أمني جديد حول ملف "الإخوان" في أوروبا.
وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي فرنسي داخلي متسارع، بعد أن صوّت البرلمان الفرنسي في يناير الماضي على مقترح قدّمه النائب إيريك بوجيه، يدعو إلى دراسة تصنيف الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي على المستوى الأوروبي، وهو المقترح الذي واجه انقساماً حاداً داخل المشهد السياسي بين اليمين واليسار، لكنه فتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة حضور الإسلام السياسي داخل المؤسسات الأوروبية.
النائب بوجيه كشف لاحقاً أن السفارة الأمريكية تواصلت معه عقب التصويت، ما يعكس –بحسبه– اهتماماً أمريكياً متزايداً بما تعتبره واشنطن "تغلغلاً منظماً" للجماعة داخل أوروبا، مضيفاً أن هذا التفاعل أسس لسلسلة لقاءات لاحقة بين الجانبين.
ويبرز في هذا السياق البعد الأمريكي المتصاعد، خصوصاً مع الإشارة إلى أن المسؤولة الأمريكية نانسي دحدوح كانت ضمن الفريق الذي ساهم في صياغة مرسوم تنفيذي سابق وقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمتعلق بتجميد الأصول وملاحقة الكيانات المرتبطة بالإرهاب، والذي أُشير فيه –بحسب مصادر سياسية– إلى نشاطات مرتبطة بالإخوان في عدد من المناطق.
وتشير التطورات إلى أن المقاربة لم تعد مقتصرة على التصنيفات السياسية، بل انتقلت إلى أدوات أكثر تأثيراً، تشمل الرقابة على التمويلات، وملاحقة الشبكات المالية، وتقييد حركة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي يُشتبه في استخدامها كواجهات تنظيمية.
داخل فرنسا، يتزامن هذا الحراك مع تصاعد النقاش حول مشروع قانون قدّمه وزير الداخلية والمرشح الرئاسي برونو ريتايو، يستهدف ما وصفه بـ"التغلغل الإسلاموي"، عبر تمكين الدولة من تجميد الأصول وحل الجمعيات المرتبطة بشبكات يُشتبه في ارتباطها بالإخوان، في تحول يعكس انتقال المقاربة الفرنسية من مكافحة التطرف العنيف إلى مواجهة البنية الفكرية والتنظيمية لما يُعرف بالإسلام السياسي.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يرتبط بما تصفه الأجهزة الفرنسية بـ"التغلغل الناعم"، عبر العمل الجمعياتي والأنشطة المحلية والمؤسسات التعليمية، وهو ما دفع الحكومة إلى التحضير لمؤتمر دولي جديد بعنوان "لا أموال للإرهاب"، يركز على تتبع التحويلات المالية والعملات الرقمية، وتشديد الرقابة على التمويل غير المباشر.
وفي هذا السياق، تعتبر الباحثة السياسية جيهان جادو أن التحركات الفرنسية الحالية تستند إلى مقاربات أمنية متقدمة تقوم على تتبع البنية الاجتماعية والتمويلية للجماعات، مشيرة إلى أن التحدي لم يعد مرتبطاً فقط بالعنف المباشر، بل بقدرة هذه الشبكات على بناء نفوذ طويل الأمد داخل المجتمع.
على الجانب الآخر، يرى محللون أن اليمين الفرنسي نجح في دفع ملف الإخوان إلى واجهة النقاش السياسي والأمني، مستنداً إلى تقارير تتحدث عن وجود شبكات تنظيمية داخل الجمعيات ودور العبادة والاتحادات الطلابية، وهو ما اعتبره البعض "تحولاً بنيوياً" في طريقة تعامل الدولة مع هذا الملف.
ويؤكد الباحث سيمون بارباريت أن التصويت داخل مجلس الشيوخ يعكس تغيراً في توصيف الجماعة من "تيار فكري" إلى "تهديد سياسي وتنظيمي"، مع اتساع النقاش حول التمويل الخارجي والشبكات الاقتصادية المرتبطة بها.
لكن في المقابل، لا يزال المسار التشريعي يواجه عقبات داخل الجمعية الوطنية، وسط تحذيرات من صدام دستوري محتمل، ما يدفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن الملف قد يتحول إلى ورقة انتخابية أكثر منه قانوناً سريع النفاذ.
وفي خلفية هذا المشهد، تتحرك بروكسل نحو تنسيق أوسع بين العواصم الأوروبية، في محاولة لتوحيد أدوات التعامل مع ما يوصف بـ"شبكات الإسلام السياسي"، عبر تعزيز تبادل المعلومات المالية والأمنية، وربط الملفات الوطنية بإطار أوروبي أكثر شمولاً.
وبحسب مصدر أوروبي في المفوضية، فإن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزاً أكبر على تتبع الأموال والواجهات الجمعياتية، باعتبارها المدخل الأكثر فاعلية لتفكيك البنية التنظيمية دون الحاجة إلى قرارات حظر شاملة يصعب تمريرها سياسياً وقانونياً.
ويضيف المصدر أن فرنسا تتحول تدريجياً إلى "مختبر أوروبي" لهذا التوجه، عبر صياغة أدوات قانونية جديدة تسمح بالتدخل المبكر ضد الشبكات المشبوهة، قبل تحولها إلى كيانات مؤسسية راسخة.
كما تتقاطع هذه التحركات مع تجارب أوروبية أخرى، حيث تتجه إيطاليا إلى تشديد الرقابة المالية على الجمعيات والتمويلات الخيرية، بينما تركز ألمانيا على مخاطر التعبئة الرقمية، وتعيد بريطانيا فتح ملف الجماعة في ضوء التطورات الإقليمية.
ويخلص هذا المشهد المركب إلى أن أوروبا باتت أمام مرحلة جديدة في تعاملها مع ملف الإخوان، عنوانها الأبرز الانتقال من مراقبة الخطاب إلى تفكيك البنية، ومن النقاش السياسي إلى أدوات مالية وقانونية أكثر صرامة، في مسار مرشح لمزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة.
>
