تلاعب وصرف وهمي.. فقراء إب يواجهون الحرمان والجوع رغم أموال الزكاة

السياسية - منذ 4 ساعات و 44 دقيقة
إب، نيوزيمن:

في أحياء مدينة إب المكتظة، تتكرر يوميًا مشاهد الفقر بأقسى صورها؛ نساء يحملن أطفالهن، وشيوخ أنهكتهم الحاجة، وشباب فقدوا مصادر دخلهم، جميعهم يتنقلون بين أبواب المحسنين والناشطين الإنسانيين بحثًا عن ما يسد رمقهم. 

ومع حلول شهر رمضان، تتضاعف هذه المشاهد، حيث يفترض أن تكون أموال الزكاة طوق نجاة للفئات الأشد ضعفًا، لكنها – وفق شكاوى واسعة – تحولت إلى مصدر جديد للمعاناة، في ظل اتهامات بتلاعب وحرمان ممنهج يحرم آلاف الأسر من حقها في الغذاء والدواء والحياة الكريمة.

تشير مصادر إنسانية إلى أن ميليشيا الحوثي قامت بإسقاط أسماء آلاف الأسر المحتاجة من كشوفات المستحقين للزكاة، رغم أن هذه الأسر كانت مسجلة مسبقًا ضمن قوائم رسمية. موضحة أن هذه القوائم لم تكن عشوائية، بل أُعدت عبر لجان ميدانية مختصة قامت بحصر الحالات الأكثر فقرًا واحتياجًا على مدى سنوات، ما يجعل شطب هذه الأسماء بشكل مفاجئ خطوة تثير الكثير من التساؤلات حول معايير وآليات اتخاذ القرار.

ويؤكد متضررون أن هذا الإجراء جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتفاقم الأوضاع المعيشية، وترتفع أسعار المواد الأساسية، ما يجعل حرمانهم من الزكاة بمثابة ضربة قاسية لأسر بالكاد تستطيع البقاء.

الولاء بدل الاستحقاق

وبحسب المصادر، فإن الكشوفات الجديدة التي اعتمدت عليها عملية الاستبعاد أُعدت عبر ما يُعرف بـ“عقال الحارات”، وهي آلية تواجه انتقادات واسعة من قبل العاملين في المجال الإنساني. ويؤكد هؤلاء أن هذه الطريقة تفتقر إلى المعايير المهنية، وتعتمد بشكل كبير على العلاقات الشخصية والانتماءات، بدلًا من تقييم دقيق لحالة الفقر والاحتياج، ما يفتح الباب أمام التمييز والمحسوبية.

ويرى مراقبون أن هذه الآلية أدت إلى إقصاء عدد كبير من المستحقين الحقيقيين، مقابل إدراج أسماء محسوبة على الجماعة أو عناصر مقاتلة ضمن قوائم المستفيدين، وهو ما يفرغ عملية توزيع الزكاة من مضمونها الإنساني.

في المقابل، تواصل وسائل إعلام تابعة للجماعة الترويج لحملات توزيع زكاة واسعة، تتحدث عن استهداف أكثر من 37 ألف أسرة في المحافظة، بواقع 20 ألف ريال لكل أسرة. غير أن ناشطين يؤكدون أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع، مشيرين إلى أن الكثير من الأسر لم تتلقَّ أي دعم، وأن ما يتم تداوله إعلاميًا يندرج ضمن حملات دعائية تهدف إلى إظهار صورة مغايرة للحقيقة.

ويشير هؤلاء إلى فجوة واضحة بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني، حيث تتزايد أعداد المحتاجين، في وقت يتراجع فيه الدعم الفعلي المقدم لهم.

تزايد الفقر والاعتماد على المبادرات

مع تراجع دور الجهات الرسمية في تقديم الدعم، أصبحت المبادرات المجتمعية والجمعيات الخيرية الملاذ الأخير لآلاف الأسر وقد لوحظ خلال الفترة الأخيرة تزايد أعداد المحتاجين الذين يصطفون للحصول على وجبات إفطار أو مساعدات غذائية بسيطة، خاصة من النساء والأطفال، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية.

ويؤكد ناشطون أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تعوض غياب دور المؤسسات المسؤولة عن إدارة أموال الزكاة، ما يخلق فجوة متزايدة بين حجم الاحتياج والإمكانيات المتاحة.

وأفادت مصادر محلية بأن توجيهات صادرة عن قيادة هيئة الزكاة، وعلى رأسها شمسان محسن أبو نشطان، ساهمت في تعثر صرف أموال الزكاة داخل إب. ورغم وجود توجيهات تنص على تخصيص نحو 75% من إيرادات الزكاة المحصلة داخل المحافظة لصالح سكانها، تشير المصادر إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال يتم تحويله إلى خارج المحافظة، ما يفاقم من معاناة السكان المحليين.

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس خللًا في توزيع الموارد، ويثير تساؤلات حول أولويات الصرف ومدى التزام الجهات المعنية بتوجيه الأموال إلى مستحقيها.

وتعاني العديد من الحالات الإنسانية من تعقيدات إدارية وإجراءات مطولة تعيق حصولها على المساعدات، حيث تبقى الطلبات عالقة لأشهر دون حسم. ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن هذه البيروقراطية لا تقتصر على التأخير، بل تشمل أيضًا متطلبات معقدة وإجراءات غير واضحة، ما يدفع كثيرًا من المحتاجين إلى التخلي عن متابعة طلباتهم.

وتزداد خطورة هذه العراقيل عندما يتعلق الأمر بحالات مرضية أو إنسانية عاجلة، تحتاج إلى تدخل سريع لا يحتمل التأجيل.

انتقادات لاذعة واتهامات بالمحسوبية 

وفي سياق متصل، شن الناشط التربوي عبد الله الكامل هجومًا حادًا على إدارة مكتب الزكاة في إب التابع للحوثيين، متهمًا إياها بالشللية والمحسوبية. وأشار إلى استبدال مدراء فروع الزكاة بعناصر من خارج المحافظة، خصوصًا من منطقة آنس، على حساب أبناء إب، معتبرًا أن هذه التعيينات تعكس تغليب الولاءات الشخصية على معايير الكفاءة والعدالة.

كما انتقد تصريحات مسؤولين اتهموا المنتقدين بمخالفة “المعايير القرآنية”، معتبرًا ذلك محاولة لتكميم الأفواه وتبرير ممارسات وصفها بغير العادلة.

وتتزايد في الأوساط المجتمعية تساؤلات ملحة حول كيفية إدارة أموال الزكاة، ومدى شفافيتها، خاصة في ظل الفجوة الكبيرة بين حجم الموارد المعلنة وحجم المساعدات التي تصل فعليًا إلى المحتاجين. ويطالب مواطنون وناشطون بضرورة إخضاع هذه الأموال لرقابة صارمة، ووضع آليات شفافة تضمن وصولها إلى مستحقيها الحقيقيين، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو شخصية.

وفي الوقت الذي يُفترض أن تشكل فيه أموال الزكاة شبكة أمان للفئات الأكثر ضعفًا، تكشف الوقائع في محافظة إب عن أزمة عميقة في إدارتها، حيث تتداخل اتهامات الفساد والمحسوبية مع واقع إنساني يزداد قسوة يومًا بعد آخر. ومع استمرار هذه الأوضاع، يجد آلاف المواطنين أنفسهم عالقين بين الفقر والحرمان، في انتظار دعم قد لا يصل، بينما تتسع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والموارد التي يفترض أن تخفف من معاناتهم.