فيصل الصوفي

فيصل الصوفي

استعادة حكم عائلي عنصري.. مستحيل

الخميس 05 أغسطس 2021 الساعة 09:14 م

منذ صبح الإسلام، كانت العائلات إذا اختلفت تقاسمت الحكم، فأحفاد فهر المعروف بقريش اقتسموا قسمة أخوة على اختلاف ما بينهم، وعلى الرغم من أننا وهم كلنا بني كلاب! احتكرت العراق للهاشمي علي، ولمعاوية الأموي الشام (ولاتقاء أي سوء فهم عند الخبثاء، نقول إننا نعني كلاب بن مرة، بن مالك، بن.. بن فهر)، وبعد الهاشمي علي والأموي معاوية، كانت الدولة دولة أسرة أو عائلة: دولة بني العباس، دولة الفاطميين، دولة الموالي، دولة الرسي- الهادي، دولة بني الأحمر في الأندلس، دولة بني بويه، دولة السنوسي، دولة الادريسي، دولة بني أيوب، دولة الصليحي، دولة الزيادي، دولة الزريعيين، ودولة العثمانيين، وهذه الأخيرة هي آخر الدول الكبار التي تعفنت.

ألغى أبو الأتراك –في شهر مارس 1924- حكم بني عثمان، الذي سمي الخلافة الإسلامية من باب الدلع أو التحبب، فتطلعت عائلات عربية للخلافة.. في مصر كانت الأسرة الملكية تتطلع للخلافة الإسلامية في صورة مليكها.. رشح بعض المثقفين والسياسيين العرب الملك عبد العزيز آل سعود.. الثعالبي التونسي وبعض أصحابه عرضوا الخلافة على الإمام يحيى بن محمد المتوكل حميد الدين، ولكن الأخيرين رفضا الاقتراح، أما في مصر خيب المثقفون وبعض شيوخ الأزهر آمال الذين يودون الحصول على تركة سلاطين العائلة العثمانية.

هذا الحنين طبيعة ثانية في العائلات الحاكمة، أو التي كانت تحكم.. سلم الإدريسي قيادة للملك عبد العزيز آل سعود نتيجة مشكلات اقتصادية ومالية، وخلافات داخل الأسرة الحاكمة في جيزان الساحل والجبل، وبعد فوات الأوان لجأ محمد الإدريسي إلى البريطانيين في مستعمرة عدن لكي يعينوه على استعادة حكم العائلة الإدريسية، فسخر منه الانجليز، ورعاه الملك عبد العزيز لجودة غفلته.. فقدت عائلة حميد الدين حكمها على شمال اليمن بفعل ثورة 26 سبتمبر 1962، فحاول البدر الاستعانة بالسعودية والأردن وإيران لإعادة نظام ميت، فلم يفلحوا، وقالوا له ابق في ضيافتنا، واليوم تحاول العائلة الحوثية إحياء الميت، ولن تفلح، لأن استعادة الموتى من القبور مستحيل بحكم قوانين الطبيعة، فضلا عن أن العائلة الحوثية والجماعة المناصرة لها مغتربون نفسا وثقافيا عن العصر.. هم أكثر تزمتا من الإمام يحيى، وأقل استنارة من ابنه الإمام أحمد المتخلف ثقافيا.. عائلة تناصرها جماعة تريد ميراث عائلات الرسي وشرف الدين والمتوكل، وأقصى طموح تود تحقيقه أن تبقى الحروب مستعرة، والفقر مستحكما، وأن تمحى من الوجود كلمات مثل سلام، تعدد، قبول بالآخر، موسيقى، ومغن.. هذه أشبه بأهل الكهف الذين قاموا من مرقدهم بعد أن مر دهر طويل على فقد عملتهم صلاحيتها في السوق.

سيقول قائل، هذه أمامكم دول عربية وغير عربية تحكمها عائلات، وما تزال قائمة إلى هذه الساعة.. هذا صحيح، لكنها دول مؤسسات، فالإمارات العربية المتحدة ليس دولة آل نهيان بل دولة شعب الإمارات الذي يغزو المريخ.. الكويت ليس دولة آل الصباح، كذلك المملكة الأردنية الهاشمية، المملكة العربية السعودية.. ومملكة البحرين ليست مملكة آل خليفة، ولا سلطنة عمان خاصة بآل تيمور، كما أن دولة قطر ليست ضيعة خاصة بآل ثان.. فهذه غدت دولا وممالك دستورية، يسود فيها نظام الفصل بين السلطات، ويشارك المواطنون في إدارتها، ويختارون ممثليهم في مجالس الشورى والبلديات والهيئات التشريعية، ومنفتحة على العصر بكل ما فيه من حضارات وفنون وثقافة ونظم.. لا يلحظ هذا الفارق الكبير أولئك الذين يتطلعون لإعادة الحكم الإمامي العائلي إلى اليمن من جديد، ونعني هنا الجماعة الحوثية.

والممالك والدول العربية التي تتوارث حكمها عائلات، هي اليوم في سبيلها لتحول مشابه لذلك الذي حدث في بلاد غربية وشرقية.. عائلة أباطرة اليابان تدعي أنها تنحدر من آلهة الشمس، وأن بينها وبين الآلهة نسبا وصهرا، وكل امبراطور يعتبر مقدسا إلى اليوم، ولم يتخل عن هذه القدسية سوى الامبراطور هيروهيتو بعد الهزيمة التي لحقت ببلاده في الحرب العالمية الثانية، ومثل هذا الادعاء لا نجده لدى أي عائلة عربية حاكمة، باستثناء الأردنية والمغربية، وهما لا تدعيان صلة قرابة بآلهة، بل تدعيان الصلة ببيت النبوة أو بالبيت الهاشمي، وهو ما تدعيه العائلة الحوثية التي لا يمكنها أن ترقى إلى مستوى البيت الهاشمي في الأردن أو في المغرب، لأسباب ثقافية وسلوكية.

إن حكم العائلات الذي كان معهوداً من قبل قد مضى زمانه، كل إمبراطور جديد في اليابان يقيم في قصره، لا يحكم ولا يبصم، ولا يقول للناس أنا من بيت إله الشمس.. كذلك الحال بالنسبة للعائلات الملكية التي تسمى عائلات حاكمة من باب التجوز، في كل من المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى، إسبانيا، هولندا، السويد، النرويج، وكندا، فهي لا تحكم، لكنها قائمة تاريخيا كأيقونات ثقافية... كذلك التي في آسيا مثل اليابان، تايلاند، وماليزيا، والملك في هذه الأخيرة ينتخب انتخابا بغض النظر عن العائلة.