محمد عبده الشجاع

محمد عبده الشجاع

تابعنى على

الصالح وصفحات الخصوم.. استفتاء أخير

الأحد 25 يوليو 2021 الساعة 09:01 ص

البلاد التي لا تُخيِّبُ ظن بَنيها تستحق أن نبذل جلودنا وأرواحنا في سبيل استقرارها وسلامة أراضيها؛ لكن ونحن المدانون والمذنبون كيف لها أن تكون كذلك..

تركناها لقطيع الضباع تنصب لمن تريد المشانق وتُقلم مواردها وأحلامها بالبنادق والفكر الدخيل.. لذا من المستحيل أن نُكوِّن قصة حب بيننا وتلك البلاد ما لم نكن أهلا لجغرافيتها الطيبة وربُّها الغفور.

دعونا نسمي الأمور بمسمياتها حتى لا نحيط الحقائق ونغلفها بالمجاز والرموز وخطوط المسند، والتأويلات الجافة، سبع سنوات من الشكوى وانتقاد رجل لم يعد موجودا أصلا وقد ترك السلطة قبل عقد من الزمن.

مر عيد الأضحى فعاش معه المواطن اليمني مرارته وحلاوته التي بلا طعم أو رائحة، معاناة في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والحركة والطمأنينة واستشعار الأمن والاستقرار وحتى أداء الشعائر كما يجب من صلاة وصلة واضحية.

صادف مناسبة العيد ذكرى صعود صالح في السابع عشر من يوليو/ 1978م إلى سدة الحكم في ظروف معقدة ومتشابكة وهي ذكرى واستحقاق لا يحتاجان لكل هذا الجدل.

وإذا ما أردنا معرفة حجم التعقيدات وما صاحب ثلاثة عقود ونيف من الحكم علينا أن نتحلى بالرؤية الصادقة بعيدًا عن العصبية حتى لا نعطي صورة قطعية للآخرين غير قادرة على بلورة المجريات والتجربة السياسية والاجتماعية التي مر بها جيل كامل منذ 40 عاما، ومن أجل ملامسة مكامن الأخطاء وتعلم مدخلات الصراع ومخرجاته دون تحميل الوزر حدثا بعينه.

لست بصدد مدح صالح أو مرحلته وهذا حقي، أو معاتبة ولوم الثائرين على علاتهم وبمختلف أطيافهم واحلامهم المشروعة ورؤاهم المليئة بالتباينات والحسابات الفلكية المتصادمة مع الواقع وهذا مكفول لي...

أنا في مقامٍ لترتيب مصفوفة حكم من حقها أن تأخذ نصيبها في الدراسة، وللحديث عن نقطة مهمة وهي صفحات خصوم صالح على وسائل التواصل الاجتماعي.

بمجرد أن بدأ أنصار المؤتمر ومحبو صالح ومن لهم ذكريات جيدة معه كرئيس؛ نَشْر أخبارٍ حول الذكرى بدأت السخرية والتندر كالعادة من كثير من الخصوم، شباب وكبار يسار ويمين وحوثيين، الأمر ببساطة لا يستحق كل هذا العناء طالما أن الجميع ارتضى حرية الرأي والرأي الآخر التي ترسخت في الأذهان خلال تلك العقود.

الأمر الأهم أن صفحات خصوم صالح من مروان الغفوري وأحمد الشلفي إلى توكل كرمان وخالد الآنسي مع حفظ الألقاب والمسميات الوظيفية التي حصلوا عليها في عهد صالح، وحتى خالد الرويشان ومحمد اليدومي ومحمد الربع وصالح سميع، تحولت إلى استفتاء ليس لأنصار صالح وإنما لمن اكتووا بنار هذه المرحلة، لمن وعوا حجم الكارثة، لمن يتابعون التحول والامتيازات التي حصل عليها مجموعة أو قلة من المنتفعين على حساب عشرات الجرحى وملايين النازحين والمهجَّرين.

لمن يعانون اليوم من سلطة المليشيا وأجهزتها الأمنية القمعية وقراراتها المجحفة في حق التعليم والوظيفة العامة، في حق حرية الإعلام والصحافة وقطع المرتبات.

ادخلوا تلك الصفحات وستجدون وجع البلاد ودمعها وهو يسيل بلا حساب كالمداد ليس حزنًا على صالح وعهده وحسب، وإنما قهرًا على فقداننا للبوصلة التي يبدو أننا بحاجة لزمن طويل حتى نعيد مسارها وننام بهدوء.

هي حالة استفتاء واسعة في صفحات هؤلاء تقول لهم: دعونا من الخصومات التي أودت بالجمل وحمولته، دعونا من المزايدات وتعالوا إلى كلمة سواء نبني يمن ما بعد صالح، يمنا فقد من عمره وعمرنا الكثير خلال 10 أعوام.

تعالوا نؤسس لذكرى جديدة خالدة ول"يوليو -متقد بالمحبة والسلام وطُرقات آمنة والذئب على غنمه". وادعوا بالرحمة لصاحب سنحان إن أردتم؛ الجندي الذي ملأ الدنيا جدلًا وعرَّف باليمن في كل محفل.

دعونا نظهر بأننا أكفاء أكثر من صالح ونظامه، وأننا نملك كل أدوات التحدي ونبدأ ببناء ما تهدم وإعمار ما انهار من بنى وبنيان. وتجاوز الفساد الذي أضحى مثل شرب الماء.

دعونا نكون نحن، نوقد ألف شمعة حتى لا يقال بأننا خائبون واتكاليون، وغير قادرين على إحداث تغيير. دعونا نصحح ثورة "شارع المطار"، التي تحولت إلى ورمٍ خبيث أصاب جزءا مهما من جسد الوطن ويكاد يقضي عليه. 

وأخيرًا وليس آخرًا أقول ما قال الشاعر طه الجند: "ما زلتُ أحبك يا وطني

يا وطن الرعد

وأمطار الصيف

وأڜجار الطلح...

يا ليل الفلاحين، وفانوس العشاق، وأغصان القات"!.

ما زلت أحبك.