محمد عبده الشجاع

محمد عبده الشجاع

تابعنى على

واحِدِيَة البَرْد وتزاوج النتوءات

الخميس 22 أبريل 2021 الساعة 01:07 م

"يحاول البرد إقناعي أنه هارب من شعاع الشمس وأنا أحاول إقناع عظامي بأنها ليست هي المقصودة"!.

كانَ البردُ قد ذهب..

كان البرد قد ولَّى...


مَنْ مِنَّا لم يُوجعهُ البرد

كان البرد لَمْلَمْ أمتعتهُ كاملةً وغاب خلفَ الصُّخور 

كان البرد يترجَّلُ ممتطياً معطف كَاكي

وقُبَّعةً سوداء

وعَصاة مَوْزية

كان يُودِّعنا بِحرارةٍ ليس لها نظير

يقتفي أثر الرُّعاة ليحتضنهم واحداً واحداً دون تمييز وبلا مسافة

كان يُجفِّفُ أرديتهُ المَائيةْ عند أطرافَ النهرِ

لِيَبْلغَ فاهَ الغَزالةِ

وجناح النَّسر

وغضاريفِ التماسيح ومَجاديف الهُواة

كانَ حزيناً جداً لفراقِ مَنْ أجهدُوه

يتمنى لو أنه بقيَ بعيداً عن حناجرهم المُلتهبة

ومفاصلهم المتوجعة

وصِغارهم المحمومين

وازقتهمْ المفروشةِ بالغبار

وأنوفهم المزكومة

وأطرافِهم المتجمدة

كان البرد ولا زال أرحم من قرار سياسي فادحْ

أو قنبلة موقوتة

أو سيارة مفخخة

أو عَطب في المُخيِّلة

أو نزقٍ في صدور الآلهة المتخمةِ بالغرور.

كان البرد يا صنعاء مهموماً بأغراضهِ يُلمْلمُها كي يرحل

غير أنه تذكر؛ شظية تحاول أن تخون الجدران

وطعنةً تترصد الصغار العائدين من المدارس.

كان البرد يا سيدتي يستوطن كليتي اليسرى مثل حارس

يتحرك ببطء نحو الحالب بحثاً عن مخرجٍ لِي وله

وأنا جالس أتلو سورة العصر والناس والنوارس.

كان في الحديقةِ يُحدد المسافةَ بين الصَّدى والحقيقة

يتحسس نافذةً مغلقة وأنيقة

يحاول كسر بروازها الذهبي لإخراجها منهُ

كي تصبح عاريةً جاهزةً للألم.

كان البرد يُزاوج بين القُرى والمُدن

بين المغارات وقوس قزح

بين الصدى والعيون

بين اللحى والبَلحْ

بين المضيق وبين الغريق

بين الأدارسة والفاطميين

بين الاباضية والبحر العربي.

بين المَرارةِ وبين الأَمَرّ

كان يعقد القِران الأخير للفارسيين برعاة البقر

كان البرد الوجع يُرشد الوجعَ البرد

إلى الخروج من جذوع الشجر

وكانت نتوءاتنا الخائبات

تحاول سد الفراغ المنيع

ولا

تستطيع...

كان البرد يُثلج الصدر بالرعشات

ينساب مثل حربٍ على جسدي

مثل بقايا صلاة..

في كوخ زاهد

كان البرد

ولا زال واحداً!!.