عبدالباري طاهر

عبدالباري طاهر

تابعنى على

اليمن.. من العزل الإمامي إلى الانفتاح الإعلامي في عهد الثورة

الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 الساعة 09:59 ص

من المعروف أن المتوكلية اليمنية كانت جزيرة معزولة بشكل شبه كلي عن معجزات ومنجزات القرن العشرين حد تحريم "صندوق الطرب"، ومحاصرة الراديو، والحد من دخول الصحف والمجلات، وقصص مصادرة آلات الطرب، وتحريم الفن وتجريم الفنانين، تشهد على مدى تخلف الحكم الإمامي وتزمته.

المفارقة أن الأربعينات والخمسينات وشطراً من الستينات، كانت عدن تعيش ربيع الحريات العامة والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير.

لقد وصلت الحرية حد الحق في تأسيس الحزب أو النقابة أو الجمعية بمجرد إبلاغ بلدية عدن، ووصلت الإصدارات الصحفية في مدينة عدن بالعشرات، معبرة عن كل الاتجاهات الفكرية والسياسية، في حين كانت المملكة المتوكلية اليمنية تعيش حالة موات.

ثورة الـ26 من سبتمبر 1962، كانت أهم حدث في تاريخ المنطقة العربية كلها؛ فبعد ثلاثة أيام فقط من قيامها، وتحديداً يوم الـ29 من سبتمبر، صدرت في تعز صحيفة "الثورة".

الباحث عبد الحليم سيف في دراسته المائزة والموثقة لصحيفة الثورة في كتابه «40 سنة صحافة.. الثورة: النشأة والتطور» الصادر في 2002، يقرأ عناوين العدد الأول: "الثورة تشمل اليمن، وزمام الأمور بيد الجيش". 

وتحته مانشيت آخر: "الجيش يقضي على كل العناصر الرجعية الخائنة في صنعاء".

أما الافتتاحية فبعنوان "صاحب الجلالة الشعب". 

ويشير في الكتاب إياه إلى صدور «الأخبار» في تعز، كأول صحيفة يومية في شمال الوطن، ورأس تحريرها القيادي في حركة القوميين العرب عبدالله الوصابي. 

وفي العام 1968، صدرت في تعز مجلة «الحياة الجديدة» الأهلية، ورأس تحريرها حسين السيد محمد. 

تناولت المجلة بشجاعة أوضاع المرأة، ودعت إلى فتح أبواب المدارس لتعليمها، وإعطائها حريتها وكامل حقوقها. 

تعرضت المجلة وصاحبها إلى هجوم عنيف من قبل الإسلام السياسي؛ ما جعل صاحبها يفر إلى عدن، وتوقفت المجلة بعد ثلاثة أعداد من الصدور.

يدرس الباحث صدور الصحيفة في واقع ثقافي واجتماعي واقتصادي شديد القسوة والتخلف.

والواقع أن الباحث حليم قد درس وتتبع، بدقة وأمانة، كل ما يتعلق بالصحيفة، والمهام العظيمة الموكلة إليها، والصراعات التي رافقت مرحلة الصدور والنشأة والتطور.

وقد شهدت الصحيفة صراعاً بين من يريد استمرار الصدور في تعز، ومن يرغب في نقلها إلى صنعاء. 

كما شهدت صراعاً بين حركة القوميين العرب، وبين التيار الماركسي.

وحتى انتصار الثورة، وانكسار حصار السبعين من حول صنعاء، ظل الصراع على الصحيفة بين أقطاب الحكم والنافذين. وقد عشنا شطراً من هذه الفترة التي يتعاقب عليها رؤساء شهرياً، وأحياناً أسبوعياً، ومع ذلك لعبت "الثورة" دوراً ريادياً في نشر الوعي الثوري، وانفتحت بمستوى على التيارات السياسية المختلفة، واحتضنت الكتابات الفكرية والإبداعية المختلفة، وتبنى ملحقها الأدبي في سبعينات القرن العشرين، تيارات الحداثة شعراً ونثراً ونقداً أدبياً. ويشير الباحث إلى أن حكومة الثورة قد استحدثت مكتباً للصحافة والنشر في تعز مهمته الإشراف على إصدار صحف الثورة السبتمبرية: «الثورة»، «العهد الجديد»، «الجمهورية»، «الشعب»، و«الأخبار».

 وقد تعاقب على إدارة مكتب الصحافة والنشر عدد من الشخصيات الوطنية، وهم على التوالي: عبدالله أحمد الثور، سعيد الجناحي، عبد الحفيظ بهران، محمود الحكيم، وأحمد قاسم دهمش، والأخير أعاد ترتيب وتنظيم إصدار الصحف، وهيئة تحريرها في تعز عام 1964، أي بعد نقل صحيفة الثورة إلى صنعاء بعد أن صدر منها ثلاثة وسبعون عدداً.

 ويؤكد الباحث أن سقف الحرية في تعز كان أعلى، مشيراً إلى أن عبدالله حمود حمران كان أول رئيس تحرير لصحيفة الثورة بعد انتقالها من تعز إلى صنعاء في يونيو/ حزيران 1964، بينما شغل عزالدين ياسين محمد، سكرتير تحرير.

منذ 1962- 1990، أصدر ما يقارب 20 صحيفة أهلية، لكن احتفاء غالبيتها بالإعلان التجاري والسياسي، واستخدام بعضها أساليب الابتزاز؛ أضعف الصحافة الأهلية، وصبّ لصالح الصحافة الرسمية.

مثلت "الثورة" خلال ما يقرب من ثلثي قرن مدرسة الثورة السبتمبرية، وكانت في عهود ما قبل علي عبدالله صالح، منبراً مفتوحاً بمستوى يكتب فيها ذوو الاتجاهات الفكرية والسياسية، واحتضنت الأدباء الشبان، والكتابات المختلفة في حدود معينة. 

ورغم وجود رقابة ملحقة ولاحقة على الصحف الأهلية المستقلة، وإخضاعها عند الصدور للتصريح، ولشروط قاسية، والتزامات مالية معيقة، إلا أن «الثورة»، و«الجمهورية» في تعز كانتا تتمتعان بهامش محدود للسماح، والتخفّف من وطأة الرقابة، خصوصاً الملاحق الثقافية للصحيفتين.

كان الهامش الديمقراطي محدوداً مقارنةً بالصحف الأهلية المحاصرة بالرقابة، والمكبلة بالقوانين السالبة لحرية التعبير، وعدم السماح بالحصول على المعلومات، ثم-وهذا مهم- احتفاء هذه الصحف أو الغالبية منها، بالإعلان التجاري والسياسي، واستخدام بعضها أساليب الابتزاز؛ كل ذلك أضعف الصحافة الأهلية، وصبّ لصالح الصحافة الرسمية: «الثورة»، و«الجمهورية» و«الثقافية»، و«التصحيح»، و...، و...

لقد تعاقب على صحيفة الثورة منذ البداية، قادة سياسيون ينتمون إلى حركة القوميين العرب كأحمد طربوش حزام الشرجبي، وسالم زين محمد السقاف- عضو الأمانة العامة للجبهة القومية، ومالك الإرياني- القيادي في الحزب الديمقراطي، ومطهر الإرياني، ومحمود محمد الحكيم، ومحمود جمال محمد، وعلي حمود عفيف، ومحمد حسين شجاع الدين، ويوسف الشحاري، ويحيى علي الإرياني، ومحمد علي الربادي، وعمر الجاوي، والشاعر الشنواح، ومحمد الزرقة، وهادي جبارة، وصالح البدح، وعبدالودود سيف، ومحمد المساح، ومحمود الحاج، وإبراهيم المقحفي، وياسين المسعودي، وعبدالرحمن بجاش، وكاتب هذه السطور، وجلهم قياديون حزبيون قوميون أو يساريون أو ديمقراطيون أو شخصيات عامة. 

وهناك في الصحافة الرسمية صحيفة «الجمهورية»، وهي شقيقة «الثورة» صدرت في تعز في أكتوبر/ تشرين الأول 1962، ومنذ البداية كانت الرئة الثانية للدفاع عن الجمهورية، وكانت كشقيقتها «الثورة»، منبراً للمدافعين عن الثورة والجمهورية، ومرت بنفس الظروف التي مرت بها الثورة، وربما كانت وضعيتها أكثر صعوبة بسبب الصدور في تعز- مركز الصراع بين الأحزاب القومية واليسارية المعارضة، ووجود صحف حزبية وأهلية مستقلة تتبنى الخط القومي واليساري المعارض كــ«الحقيقة»- الحزب الديمقراطي، و«مأرب»- الاتجاه الناصري، ومجلة "الوحدة" اليسارية، ومجلتا «المصباح»، و«الرسالة» ذاتا الاتجاه البعثي، وهناك في تعز صحف رسمية أخرى صدرت في فترات متقاربة في الستينات والسبعينات، وإذا ما قرأنا الأسماء التي تعاقبت على رئاسة تحرير الجمهورية، نلحظ شبهاً بما حصل في "الثورة"؛ فجلّ رؤساء التحرير آتون من الاتجاهات القومية واليسارية أو شخصيات عامة مستقلة، أمثال حمود الصرحي، وسالم زين محمد، ومبارك أحمد بامحرز، ومحمد أحمد الشرعبي، ومطهر علي الإرياني، وعباس باعلوي، وعبدالعزيز اليوسفي، ومحمد حسين شجاع الدين، ويحيى عبدالرحمن الإرياني، ومحمد حسين السنيني، وجعفر عيدروس، ومحمد المجاهد، ومحمود الحكيم، وعلي ناجي الرعوي، ومحمد علي سعد. 

ويبدو أن خط الدفاع عن الثورة والجمهورية كان قاسماً أعظم ومشتركاً بين كل الاتجاهات السياسية القومية واليسارية والوطنية السبتمبرية.

وصدرت صحف في مكاتب الإعلام بالمحافظات، كـ"الثغر" في الحديدة و«ظفار» في إب، مسحوبة بـ"الاستنسل"، واستمر بعضها عدة أعوام كـ"الثغر" مثلاً، ولكنها بقيت في حدود منطقة الصدور، كما صدرت في مصر مجلة «اليمن الجديد العالم العربي"

غابت التشريعات عن الصحافة في "الجمهورية العربية اليمنية"، وإلى منتصف السبعينات كان هناك قرار إداري أصدره خبير إعلامي مصري يعمل في وزارة الإعلام، يحدد سبل منح الترخيص، وفرض الرقابة على الإصدار.

كانت الحزبية محظورة بموجب الدساتير المؤقتة والدائمة؛ ومن هنا غابت صحافتها؛ فقد اعتبرت الحزبية خيانة وطنية.

كان قانون الصحافة الوحيد الذي صدر في صنعاء هو "القانون رقم (42)، لسنة 1982"، ويتضمن (106) مواد غالبيتها تبدأ بـ"يُحظر"، وتنتهي بالعقوبة.

الصحف الأهلية:

كثيرة هي الصحف الأهلية، وبعضها مستقل حقاً، وبعضها قريب لهذا الحزب أو ذاك، والبعض مدعوم من السلطة، ولكنها تخضع للقيود المفروضة، وتخضع للرقابة، وكثيراً ما تعرضت تلك الصحف للإيقاف والحجز والمصادرة، وربما اعتقل رؤساء التحرير، وكثيراً ما يحدث هذا التعسف للصحف والصحفيين.

في الفترة من 1962، وحتى قيام الوحدة في العام 1990، صدرت الصحف الأهلية الكاثرة: «اليمن»، «الحرية»، «الرأي العام»، «صنعاء»، «الصباح»، «الخضراء»، «الشعب»، «الهدهد»، «المسيرة اليمانية»، «الكلمة»، «أقلام »، «النضال»، «الشروق»، «المنار»، «الوعي العربي»، «اليقظة»، «اليماني»، «البلاد»، و«السلام»، وكل هذه الصحف الأهلية صدرت في فترة ما قبل الوحدة، إلا أنها في الغالب لم تكن منتظمة في الصدور، ولا واسعة الانتشار، وبعضها كان يطبع بضع آلاف، وغالباً بضع مئات، ومع ذلك لم تسلم من الملاحقة والمصادرة والتضييق، رغم غياب الفاعلية والتأثير إلا فيما ندر. 

وأصدرت بعض المؤسسات والاتحادات والنقابات بعض الصحف أيضاً، كاتحاد العمال، واتحاد الأدباء والكتاب، وبعض المصالح الحكومية والشركات، وكان الغرض المهني والوظيفي والدعائي حاضراً، هذا إذا ما استثنينا مجلة «الحكمة» الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب، وهي المجلة الرئيسية للاتحاد، وقد لعبت دوراً ريادياً في نشر الإبداع والثقافة الوطنية والوعي الديمقراطي، ودافعت عن الوحدة اليمنية والحريات الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، وقد أصدر الاتحاد الأدبي مجلة «المعرفة» في تعز، وصحيفة «الموقف» في صنعاء إلى جانب إصدارات صحف فرعية.

الصحف الحزبية:

عندما أُعلِنَ عن تأسيس الاتحاد اليمني في العام 1971، أصدر الاتحاد، أو بالأحرى، أعاد إصدار «صوت اليمن»، ولكن الاتحاد لم يعمّر، وتوقفت الصحيفة بعد إصدار عشرات الأعداد، وكانت أسبوعية، ومعروف أن «صوت اليمن» هي الصحيفة الناطقة بلسان الجمعية اليمنية الكبرى عام 1946، وقد أعيد إصدارها في القاهرة باسم "الاتحاد اليمني" عام 1955.

الصحيفتان الحزبيتان غير المعلنتين عن حزبيتهما هما «الأمل» التابعة للجبهة الوطنية الديمقراطية، و«الصحوة» التابعة للاتجاه الإسلامي- التجمع اليمني للإصلاح فيما بعد؛ الصحيفتان المتصارعتان، الأولى باسم اليسار المرتبط بالحزب الاشتراكي اليمني، والثانية إسلامية محافظة وقريبة من نظام علي عبدالله صالح.

وقد صدرت عقب مصالحة مؤقتة بين قيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية، ونظام صالح عقب حرب 1979، وقد حرص النظام على صدور "الصحوة" في مواجهة "الأمل"، وقد توقفت "الأمل" بعد قيام الوحدة في الـ22 من مايو 1990، بينما استمرت صحيفة "الصحوة" في الصدور.

تجربتا "الصحوة" و"الأمل" بحاجة إلى قراءة خاصة. 

وكرد على التضييق على الهامش الديمقراطي، وحظر الأحزاب، وتجريم التعددية، كانت الأحزاب السرية، وبخاصة اليسارية الماركسية، تصدر صحفها سرياً، وقد أصدر الحزب الديمقراطي الثوري صحيفة داخلية سرية «الديمقراطي» مطبوعة بآلة كاتبة، ومسحوبة بـ"الاستنسل"، وأصدرت الطليعة الشعبية «الاشتراكي»، وأصدر حزب العمل «العمل»، واتحاد الشعب الديمقراطي «الطليعة»، وكانت هذه الصحف توزع سراً، وتتضمن التعميمات الحزبية والآراء والتقييمات والمعلومات المحظورة التداول، وكانت الأجهزة الأمنية في حرب مستمرة ضد هذه الصحف.

الوضع الديمقراطي وحرية التعبير:

المحزن أنه بعد انتصار حركة التحرر الوطني في الجنوب، وتحقيق الاستقلال في الـ30 من نوفمبر/ تشرين ثاني 1967، طالت الإجراءات القمعية الحريات الصحفية- حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، وحُظرت الأحزاب المعارضة، وقُمعت الاتجاهات الفكرية والسياسية، وكأنها إرث استعماري، وفُرض الحزب الواحد والاتجاه الفكري الوحيد المستند إلى القوة؛ فمن فوهة البندقية تنبع السلطة السياسية.

فُرض اللون الواحد، وجُرِّم التنوع والتعدد- "كل الشعب قومية". 

لم ترث الشرعية الثورية- ثورة سبتمبر في الشمال، أي إرث للحريات العامة والديمقراطية، وغابت حرية الرأي والتعبير، ولم تمتلك أي إمكانيات طباعية أو فنية لإصدار الصحف.

 كانت المملكة المتوكلية بلد الأمية بمعانيها الأبجدي والمعرفي والتقني، وأضاف الوجود المصري تعقيداً جديداً، هو نقل المواجهة مع الاتجاهات السياسية والفكرية المختلفة والخصومات مع التيارات الأخرى في المنطقة العربية، إلى اليمن-الشمال تحديداً، البلد الأكثر بعداً عن هذه الصراعات؛ وهو ما أسهم في إعاقة التفتح والتطور الديمقراطي، وقمع التنوع والتعدد، وكان قانون الصحافة الوحيد الذي صدر في صنعاء في العام 1982، وهو "القانون رقم (42)، لسنة 1982"، ويتضمن (106) مواد غالبيتها تبدأ بـ"يُحظر"، وتنتهي بالعقوبة، وكانت موضع تندّر الصحفيين.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك