في أوقاتٍ تزدحم فيها المواقف بالخذلان، وتبهت فيها معاني الانتماء، يخرج الوفاء من بين الركام كصوتٍ جمهوريٍ أصيل، لا ينكسر ولا يساوم. هنا، ومن جبهة الساحل الغربي، حيث تقف المقاومة الوطنية شامخةً كامتدادٍ حيٍّ لروح الجمهورية، ارتفعت راية الإخاء لتصل إلى مأرب، حاملةً معها رسالةً لا تُقاس بقيمتها المالية، بل بمعناها الوطني العميق.
لم يكن ذلك المليار ريال مجرد رقمٍ يُعلن في بيان، بل كان موقفًا يُكتب في صفحات التاريخ، وقواميس الإنسانية، وسجلات الرجولة؛ موقفًا اختار فيه القائد الجمهوري، الفريق أول ركن طارق محمد عبدالله صالح، أن يكون حيث يجب أن يكون القادة العظماء: ووقف إلى جانب الجرحى الأبطال في مأرب الذين دفعوا من أجسادهم ثمن بقاء الجمهورية، وصمدوا حين تراجع الكثيرون.
إنها ليست منّة، بل واجب اخوي، وليست لفتةً عابرة، بل ترجمة صادقة لعقيدةٍ جمهوريةٍ ترى في الجريح تاجًا، وفي تضحيته دينًا في أعناق الجميع. فهؤلاء الجرحى، الذين واجهوا العدو الحوثي بشموخٍ وعنفوان في جبهات مأرب، لم يكونوا يقاتلون من أجل جغرافيا فحسب، بل من أجل وطنٍ كامل اسمه اليمن، ومن أجل عزة وكرامة شعبها، ومن أجل قضيةٍ وهويةٍ وجمهورية حاولت قوى الظلام الكهنوتية الحوثية طمسها بمشروع ايراني دخيل.
وإن كان الزمن قد جار على هولاء الجرحى الميامين، وأثقلتهم قسوة الإهمال، فإن هذا الموقف من قبل القائد طارق صالح جاء ليعيد التوازن الأخلاقي، ويقول لهم بوضوح: لستم وحدكم. فإخوانكم في المقاومة الوطنية، قيادةً وقوات، لا يزالون على العهد، ويرون في جراحكم شرفًا، وفي صمودكم عنوانًا للنصر القادم.
لقد حمل هذا التبرع اسم القائد، لكنه في جوهره يُعدّ صوتًا لكل مقاتل في المقاومة الوطنية، ولكل محارب جمهوري يرابط في ميادين العزة والكرامة، ولكل قلبٍ نابضٍ بالوطنية. وعربون وفاءٍ جماعي، يعبر المسافات، ويكسر حدود الجبهات، ليؤكد واحدية المعركة، وأن الدم الجمهوري لا يتجزأ.
وفي هذا المشهد، يتجسد معنى القيادة الحقيقية؛ قيادةٌ لا تكتفي بإدارة المعارك، بل تداوي آثارها، وترعى رجالها، وتهتم بهم، وتبني جسور الثقة بين المقاتل وقائدة الذي يعي ويدرك أن النصر لا يُصنع بالسلاح وحده، بل بالإخلاص والوفاء، وبالوقوف الصادق مع من يدفعوا حياتهم ثمنًا لذلك.
سلامٌ على جرحى مأرب…
الذين كتبوا بآلامهم حكاية الصمود…
سلامٌ على طارق صالح ورجاله المتمسكين بمبادئ الوفاء، حين نسيها الآخرون…
>
