منور عقلان

منور عقلان

تابعنى على

حديث عن نكبة 11 فبراير

منذ 3 ساعات و 10 دقائق

لم تكن نكبة 11 فبراير حدث في تسلسل الوقائع السياسية اليمنية، ولا يمكن اختزالها في كونها لحظة احتجاجية أو انتقالا مربكا للسلطة، فقد شكّلت في جوهرها انكسارًا بنيويًا شاملا أصاب فكرة الدولة ذاتها، وأعاد تشكيل علاقة المجتمع بالسلطة، والإنسان بذاته، والتاريخ بمساره. فمنذ تلك اللحظة، لم يعد الزمن اليمني يسير في خط تراكمي، بل دخل في دائرة تفكك، حيث انهار ما كان قائم، دون أن يولد بديل قادر على الاستمرار.

تاريخيًا، جاءت نكبة 11 فبراير في لحظة كانت فيها الدولة اليمنية، رغم هشاشتها البنيوية، قد قطعت شوطًا كبيرا في ترسيخ شكل من أشكال الاستقرار النسبي. صحيح، أن الدولة لم تكن مكتملة بالمعنى المؤسسي الحديث، لكنها كانت دولة قائمة، بجيش موحّد، وأجهزة أمنية فاعلة، وسلطة مركزية تمسك بتوازنات الداخل، وتمنع الانزلاق الشامل إلى الفوضى. وكان المجتمع، رغم الفقر والتفاوتات، يعيش أفقًا مفتوحًا على الأمل: توسّع في التعليم، نمو عمراني ملحوظ، حركة اقتصادية نشطة، وفرص – ولو محدودة – أمام الشباب لبناء مستقبل داخل الوطن.

غير أن نكبة 11 فبراير لم تستهدف تصحيح اختلالات الدولة بقدر ما استهدفت بنيتها نفسها. إذ جرى استدعاء خطاب ثوري عام، فضفاض، بلا مشروع وطني واضح، وتم توظيف الغضب الاجتماعي والاحتقان السياسي لا لإعادة بناء الدولة، بل لإضعافها من الداخل. هنا تحديدًا وقع الانكسار البنيوي: حين تحوّل الصراع من صراع على إصلاح الدولة إلى صراع ضد الدولة بوصفها كيانًا جامعًا.

لقد  أدّت هذه النكبة إلى تفكيك العقد الاجتماعي الهش أصلا. فقد تآكلت الثقة بين المواطن والمؤسسة، وتحوّلت السياسة من مجال عام يدار بمنطق المصالح الوطنية إلى ساحة صراع بين جماعات، أحزاب، ومليشيات، كل منها يدّعي تمثيل “الشعب” بينما يعمل في الواقع على تمثيل ذاته. ومع انهيار المرجعيات الجامعة، صعدت الهويات الفرعية: القبلية، المناطقية، الطائفية، والحزبية، لتحل محل الهوية الوطنية، لا بوصفها تنوّعًا، بل كأدوات صراع وإقصاء.

ولعل أخطر ما أفرزته نكبة 11 فبراير هو تحويل الشباب من طاقة بناء إلى وقود هدم. فالشباب الذين خرجوا بدافع الحلم والتغيير، وجدوا أنفسهم لاحقًا أدوات في مشاريع سياسية لم يفهموا أبعادها، ولا امتلكوا القدرة على توجيهها. ومع غياب القيادة الوطنية الواعية، تحوّل الحراك إلى حالة سيولة، استثمرتها قوى منظمة، على رأسها مليشيا الحوثي، التي خرجت من هامش الجغرافيا والتاريخ، لتدخل قلب المشهد، مستفيدة من انهيار الدولة ومن خطاب ثوري ألغى فكرة “الشرعية” لصالح “الشارع”.

أما ما سُمّي بـ”هيكلة الجيش”، فقد مثّل ذروة الانكسار البنيوي للدولة. إذ لم تكن الهيكلة عملية إصلاح مؤسسي، بل تفكيكًا ممنهجًا للمؤسسة العسكرية الوطنية، التي كانت – رغم كل عيوبها – آخر ما تبقى من عمود الدولة الفقري. وبسقوط الجيش، سقط احتكار الدولة للعنف، وظهرت عشرات التشكيلات المسلحة، متعددة الولاءات، بلا عقيدة وطنية، ولا مرجعية قانونية، ما حوّل اليمن إلى فضاء مفتوح للسلاح، والعصابات، والمليشيات.

وفي نهاية المطاف، دخل المجتمع اليمني منذ نكبة 11 فبراير في حالة صدمة جماعية ممتدة. فالانهيار لم يكن ماديًا فقط، بل معنويًا ووجوديًا. فقد الإنسان إحساسه بالأمان، وبالاستمرارية، وبجدوى الحياة اليومية. تكرار النزوح، فقدان الأحبة، انهيار الخدمات، وانسداد الأفق، كلها عوامل راكمت شعورًا جماعيًا بالعجز واليأس، انعكس في تصاعد معدلات الاكتئاب، القلق، العنف الأسري، والتفكك الاجتماعي. ولم تعد الحرب حدثًا استثنائيًا، بل تحوّلت إلى نمط حياة، وإلى خلفية دائمة للوعي الجمعي.

وفي مفارقة تاريخية تكاد تكون مأساوية، رفعت في 2011 شعارات “الثورة ضد الجوع”، في وقت كانت فيه اليمن، قياسًا بما آلت إليه لاحقًا، تعيش وضعًا اقتصاديًا أقل قسوة. لكن نكبة 11 فبراير فتحت الباب لانهيار الاقتصاد، وتدمير البنية الإنتاجية، وتعطيل مؤسسات الدولة، لتتحوّل البلاد، بعد سنوات قليلة، إلى واحدة من أكبر بؤر الجوع في العالم. وهنا يتجلى البعد التراجيدي للنكبة: إذ انقلب الخطاب الثوري على ذاته، وحقق نقيض ما وعد به.

إن نكبة 11 فبراير، بهذا المعنى، ليست مجرد ذكرى سياسية، بقدر ما هي جرح تاريخي مفتوح، ما تزال تداعياته تتوالد، وتُعيد إنتاج نفسها في أشكال مختلفة من العنف، والانقسام، والانهيار. وهي نكبة لأنها لم تنتج مشروعًا وطنيًا بديلا، ولم تؤسس لمرحلة انتقالية حقيقية، بل أطلقت مسار تفكك طويل، لم ينته بعد.

وما لم تقرأ هذه النكبة قراءة نقدية عميقة، تتجاوز الشعارات، وتفكك البنى التي انهارت، وتعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها شرطًا للحرية لا نقيضًا لها، فإن اليمن سيظل أسير لحظة الانكسار تلك، يدور في فلكها، ويعيد إنتاج مآسيها، جيلا بعد جيل.