لم تتشكل دولة الإمارات العربية المتحدة على قاعدة الغلبة أو الإكراه، ولا عبر اقتطاع أراضٍ أو ضم أقاليم تابعة لغيرها بحدّ السيف. لقد قامت الإمارات كاتحادٍ طوعي اختياري بين مكوّناتها، اختارته بإرادتها الحرة بوصفه المسار الأجدى للاستقرار والتنمية وصون الهوية. هذه الحقيقة التأسيسية تميّز التجربة الإماراتية في محيطٍ إقليمي شهد في مراحل مختلفة قيام دول وحدود على منطق القوة والصراع، بينما اختارت الإمارات منطق التوافق والشراكة.
إن ما جمع الإمارات لم يكن اتفاقاً إدارياً عابراً، بل تجانسٌ عميق الجذور؛ ثقافياً واجتماعياً وسياسياً. فالمجتمع الإماراتي تشكّل عبر تاريخ طويل من الروابط القبلية، والعلاقات الاقتصادية، وأنماط العيش المتقاربة، وقيم التضامن والتكافل. هذا التجانس منح الاتحاد قاعدة صلبة، جعلته يتجاوز فكرة "التجميع الجغرافي" إلى معنى الدولة الواحدة ذات المصير المشترك، حيث تتكامل الخصوصيات المحلية داخل إطار وطني جامع لا يلغي التنوع بل يحتضنه.
وفي قلب هذه التجربة، يبرز الدور المحوري للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. فقد كان الشيخ زايد مهندس الاتحاد وقائده الأخلاقي والسياسي، وصاحب الرؤية التي أدركت مبكراً أن الوحدة ليست قراراً فوقياً، بل عقد ثقة بين المكوّنات. عمل على لمّ الشمل، وطمأنة الشركاء، وترسيخ مبدأ أن الاتحاد قوة للجميع لا امتيازاً لطرف على حساب آخر.
ومن أكثر الشواهد دلالة على هذه الرؤية، أن أبوظبي رغم امتلاكها النصيب الأكبر من الثروة النفطية لم تحتكر عائداتها لنفسها، بل أنفقتها بسخاء على مشاريع التنمية والبنى التحتية التي شملت الإمارات كافة. طرق، مدارس، مستشفيات، إسكان، وخدمات أساسية امتدت من العاصمة إلى أبعد إمارة، في تجسيد عملي لفكرة أن الثروة في الدولة الاتحادية موردٌ وطني مشترك، وأن التنمية المتوازنة شرطٌ لاستدامة الوحدة.
هكذا، لم تكن وحدة الإمارات شعاراً خطابياً، بل ممارسة سياسية واقتصادية وأخلاقية متواصلة. اتحادٌ نشأ بالإرادة، وتكرّس بالتجانس، وترسّخ بالعدالة في توزيع الفرص والثروة. ولهذا السبب تحديداً، صمدت التجربة الإماراتية، وتحوّلت من اتحادٍ وليد إلى دولة راسخة، تثبت أن الوحدة حين تُبنى على الرضا والثقة والإنصاف، تكون أقوى من كل أشكال الوحدة المفروضة بالقوة.
من صفحة الكاتبة على إكس
>
