فيصل الصوفي

فيصل الصوفي

شعب لطيم

الجمعة 11 مارس 2022 الساعة 08:08 م

الكثرة الباقية من شعب اليمن في الداخل ليس لها من يدافع عنها.. شعب يتيم، بل هو لطيم.. واللطيم عند العرب من فقد والديه كلاهما.

هناك منظمات دولية لا ينكر دورها في الدفاع عن حق اليمنيين في الحياة، والحرية والسلام والخبز، لكن أخبار سوقنا لا تصل إليها، لذلك لا تعنى بحقوق المستهلكين اليمنيين، فمن يقول لها إن علبة زيت الطبخ سعة لترين ونصف ارتفع سعرها أمس إلى 15 ألف ريال يمني بمناسبة قدوم شهر الرحمة، واليوم العالمي للمستهلك؟

أصوات المنظمات الدولية في بلدانها ترتفع عاليا في اليوم العالمي لحقوق المستهلك، بل هي تدوي في كل لحظة يكون فيها المواطن هناك عرضة للغش التجاري، على الرغم من أن السلع في تلك البلدان مثلها مثل الأدوية لها مؤسسات أو وكالات حكومية تفحصها وتقرر بشأنها قبل وضعها بين أيدي المستهلكين.

كان لنا جمعيات غير حكومية تعنى بحقوق المستهلكين، وتجهد حسب طاقاتها لحمايتهم من الغش، وكانت الصحافة تسهم في هذا الجانب، واليوم لا صوت يعلو فوق أصوات الغشاشين.. فالوقت كله وقت حرب، والميادين كلها ميادين حروب، بما في ذلك أسواق الماشية والحبوب والحليب والزيوت والغاز والجاز والبنزين والملابس والأواني والأجهزة المنزلية والتمور والطحين والخضروات والفواكه والمياه والكهرباء.. وعندنا في اليمن مثال سيار بهذا الشأن، حيث يقال: البيع والشراء حرب المؤمنين!

حكومة الشرعية، وحكومة العصابة أو حكومة الأمر الواقع في صنعاء، لم تغط المساحة التي انسحبت منها جمعيات حماية المستهلك، فصار الناس دون صوت، بل إن الحكومة نفسها تغش الناس، وتحرمهم من حقوقهم في الحصول على مستلزمات الحياة في الحضر والريف.. مادة الغاز التي تقوم عليها معظم شئون الحياة لا يتم الحصول عليها إلا بشق الأنفس، وفوق ذلك غلاء وسوء كيلة، والشركات الحكومية النفطية والغازية هي التي تغش، وهي التي تخفي الغاز، وهي التي ترفع السعر كل يوم مرة.. ومثل الغاز المواد الغذائية، فالغش والغلاء ظاهران، وقس على ذلك الأدوية وما فوقها وما دونها.

جمعيات نفع عام- إنساني، سعودية وخليجية، حكومية وشبه حكومية، تزود الحكومة بتمور وزيوت ومواد غذائية أخرى لمصلحة الفقراء، فإذا بها تباع في متاجر التجار، والعصابة الحوثية تستأثر بغوث وكالات الأمم المتحدة.. وبالجملة لم يعد للفقراء نصير، وليس للمستهلكين من يحميهم، لا حكومة ولا جمعية غير حكومية ولا صحافة.

نزعم أن كثيرين منا قد وقفوا على تاجر خضروات وفواكه، يبيع الناس طماطم مضروبة وتفاح خايس وبرتقال يابس.. إن اخترت يقول لك لا تنق ما يعجبك وتترك الفاسد لي.. تقول له ولماذا علي أن أدفع مالا من أجل فاكهة أدرك أن مكانها برميل القمامة؟ فيرد عليك: وأنا ما ذنبي، فأنا أيضا ادفع قيمة الكمية لتاجر الجملة الذي يخلط الصالح بالطالح، وهذا مجرد مثال بسيط لحلقات سلسلة الغش من أعلى إلى أسفل، وعلى ذلك قس.

هذا شهر رمضان أصبح قريبا من ديارنا.. وهذا الشهر في الأصل مناسبة دينية للتوبة والاستقامة والعمل الصالح والرحمة، والقوم عندنا يتخذون منه مناسبة لبيع السلع الفاسدة أو منتهية الصلاحية، وإلى جانب ذلك زيادة في الأسعار.. والناس يقبلون، وأكثرهم لا يدركون أنهم يشرون بأموالهم سموما لشهر الصبر والصلاة والقرآن والصيام.. حكى لي أحدهم مرة أن تاجرا كان يجمع السمن من مربيات البقر في القرية وينزل عدن يبيعها لتاجر انجليزي، فلما لاحظ القروي أن التجارة بالسمن مربحة، وضع في صفيحة السمن أحجارا صغيرة ملس ليزيد في وزن الصفيحة رطلا، فلما كشف النصراني حيلته قال له: أنت مسلم مش تمام، أنت موس موس! وكم في سوقنا من صنوف الأمواس!