مصطفى النعمان

مصطفى النعمان

تابعنى على

اليمن ومبادرة ولي العهد السعودي

الأربعاء 23 فبراير 2022 الساعة 09:45 ص

في البدء يجب أن يكون واضحاً أنه حين أعبر عن رأي أو موقف في كل شأن عام، فإني لا أتقمص دور القاضي الذي يحق له إصدار أحكامه النهائية في القضايا التي تُعرض أمامه، إنما أعتبر ذلك حقاً أصيلاً لكل إنسان طالما كان في إطار احترام الآخر، وضمن الحرية المتاحة في كل موقع يتمكن من الوصول إليه والتعبير من خلاله ملتزماً أدب الحوار.

 وأنا هنا أعترف بقسوة انتقاداتي أحياناً كثيرة من دون تناول شخصي لأي كان. 

وحين أكتب يكون هاجسي ومسعاي دائماً سبر أغوار الواقع كما أفهمه وأستوعبه، ولا ألزم أحداً قبول منطقي وقناعاتي. 

ويحدث في أحيان غير قليلة أن يتم سوء تفسير ما أكتب وتأويل الكلمات وتحريفها على غير حقيقة الرأي والموقف الذي أبتغي إيصاله إلى القارئ.

سيستقبل اليمنيون فجر 26 مارس (آذار) 2022 المقبل عامهم الثامن وسط الحرب التي تقول بعض الإحصاءات إنها تسببت بقتل ووفاة ما يتجاوز 300 ألف يمني، وهو رقم أقل من توقعات المنظمات الإنسانية.

 كما دمرت أغلب البنى التحتية المتهالكة أصلاً في أفقر بلد في محيط الجزيرة العربية والخليج، من دون بارقة أمل في وقفها، على الرغم من كل المساعي الدولية التي تم بذلها. 

والأكثر خطراً هو المخزون الهائل الذي ستخلفه الحرب من الأحقاد والدمار النفسي والاجتماعي على كل المستويات الإنسانية.

وسيكون من السذاجة التهوين من الآثار المدمرة التي ستتركها في مجتمع صار مسلحاً بأضعاف ما كان يمتلك عند بداية الحرب.

في الفترة بين 17 و19 مايو (أيار) 2015، استضافت العاصمة السعودية الرياض مؤتمراً يمنياً بناء على طلب من الرئيس عبد ربه منصور هادي، وانعقد تحت شعار "إنقاذ اليمن وبناء الدولة الاتحادية"، ولم تستثن الدعوة أياً من القوى السياسية بما فيها "المؤتمر الشعبي العام" في صنعاء الذي كان يتزعمه الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، وكذلك جماعة "أنصار الله" الحوثية، لكن الفصيلين قررا عدم المشاركة.

 وخرج المؤتمر ببيان أكد فيه الحاضرون تمسكهم بمخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.

ولقد كتبت حينها مقالاً طويلاً نشرته صحيفة "الحياة" السعودية بعنوان "كنت في الرياض"، تحدثت فيه عن رؤيتي لمخرجات "مؤتمر الرياض"، وطالبت بوجوب "العمل الجاد للعودة السريعة إلى أي منطقة يمكن تأمينها بعيداً من الوجود الحوثي، لأنه من غير الجائز أخلاقياً دعوة المواطنين إلى المقاومة، بينما هم مسترخون ويعيشون بعيداً من الواقع". 

وأضفت أن اليمنيين العالقين في الداخل والخارج يحتاجون "مسعى يمنياً جاداً يمنحهم فرصة للأمل في استعادة جزء من حياتهم، التي لن تعود إلى طبيعتها في ظل هذا الجدل العدمي والعبث الصفري الذي أنهك الوطن".

 شكل غياب ممثلي المؤتمر الشعبي في صنعاء وممثلي الحوثيين عن "مؤتمر الرياض" إحدى الفرص القليلة التي لم يتم انتهازها للتخفيف من حدة الخصومة، التي تعمقت بين التحالف الذي نشأ في صنعاء، وذلك الذي قادته السعودية باعتبارها قائدة للتحالف الذي دعت إليه لاستعادة الشرعية، التي يمثلها الرئيس عبدربه منصور هادي. 

ما جرى بعد ذلك صار معروفاً وأمام أعين الجميع.

اليوم وبعد هذه السنوات الطويلة القاسية، فإن العناصر التي كانت تمثل القوى السياسية والعسكرية في 2015 قد تكاثرت، وتم استنساخها بعيداً من سيطرة ومعرفة الحكومة الشرعية، وأصبح محتماً مشاركتها في صياغة مستقبل البلاد بحسب قدرتها الفعلية في السيطرة على مساحات جغرافية، تمنحها حق التواجد على الطاولة الافتراضية لتقاسم السلطة والنفوذ بعد وقف الحرب.

 ومن الطبيعي أن كل هذه القوى تسحب من رصيد ونفوذ الحكومة الشرعية السياسي المتهالك.

يتجاهل ويتغافل كثيرون أن هناك دستوراً قائماً، وأن نصوصه، إذا ما تم تطبيقها بنزاهة، فيها ما يكفي لتسوية الملعب السياسي.

 وأدرك أن قفز الحوثيين عليها بالقوة هو الذي أدخل البلاد في المستنقع الدامي والمدمر، وأعلم أن هذا الحديث يبدو مثالياً بعد كل ما حدث، ولكن الواقعية تلزمنا البحث عن نقطة بداية ينطلق منها مسار العمل السياسي والدبلوماسي للتوصل إلى نقاط جامعة، عوضاً عن الاستمرار في الدوران صعوداً وهبوطاً حول المرجعيات، التي لا يمكن تطبيقها إلا بالقوة، كما هي الحال مع كل القرارات الدولية.

تحدثت غير مرة عن أهمية التعامل الإيجابي مع المبادرة التي طرحها ولي العهد السعودي في شهر مارس 2021، وقلت إنها ليست نصاً جامداً، ومن غير الحكمة ألا ترى فيها "جماعة أنصار الله" الحوثية ما يفرض التعامل معها بجدية، على الرغم من أن عدداً من بنودها يلبي قضايا إنسانية ملحة مثل فتح المطار وميناء الحديدة. 

وتكمن إحدى نقاط الخلاف حول الترتيب الزمني لتنفيذ "المبادرة"، وهي قضية يمكن إيجاد مخرج لها بالسير في مسارين متوازيين، يعززان تدريجاً من الثقة المفقودة بين أطراف الحرب.

صحيح أن الجميع مقتنع بأهمية التعامل العاجل مع القضايا الإنسانية، لكن ذلك يقابل بتشكيك حكومة الرئيس هادي وقيادة التحالف في حقيقة نوايا الحوثيين، وجديتهم تجاه مسألة إنهاء الحرب برمتها. 

والصحيح أيضاً أن الحوثيين يعتبرون الرياض طرفاً رئيساً في النزاع، إلا أن ذلك لا يجوز أن يمنعهم من دراسة المبادرة وإبداء الملاحظات التي تسمح بالبدء في تجاوز العقبات والعراقيل.

هناك قضية تثير لغطاً شديداً يتداولها البعض منذ أكثر من سنوات، لعقد مؤتمر يبحث في تشكيل جمعية وطنية تنتزع سلطات مجلسي النواب والشورى، ما يضيف أعباء مالية لا طائل من ورائها. 

ومن الأجدى ترتيب عودة المجلسين إلى الداخل وتفعيل نشاطاتهما المنصوص عليها في الدستور، عوضاً عن مزيد من الشتات السياسي واستمرار خرق الدستور، وتنازع السلطات والصلاحيات بعد تقليص سلطات الرئيس وتوزيعها على عدد من النواب، ما سيؤسس لصراعات جديدة وسباق بين الطامحين.

في كل صباح يستيقظ اليمني داخل البلاد وخارجها على السؤال المكرر والممل، هل ما زال اليمنيون قادرين على وقف الحرب اللعينة، ثم الدخول في مفاوضات سلام مستدام؟ 

هل ما زال القرار يمنياً أم صار الجميع مقيداً بخيوط خارجية تتحكم في التوقيت والمخرجات؟

إن ما يحتاجه اليمنيون من حكومة الرئيس هادي هو الالتفات إلى أوضاعهم المعيشية البائسة، بدلاً من الصراع مع طواحين الهواء وإطلاق الوعود الواهية التي لم يتحقق منها شيء يبرر بقاءها... وفي الوقت ذاته يتمنون على جماعة "أنصار الله" الحوثية التوقف عن محاصرة المدن والاقتناع بأن السلاح لا يمكن أن يمنحهم الحماية والأمان حاضراً ومستقبلاً مهما طال الزمن.

*نقلا عن: إندبندنت عربية