فكري قاسم

فكري قاسم

تابعنى على

صعاليك الحرب !

الأحد 27 مايو 2018 الساعة 12:24 ص

تفتح التلفاز لتشاهد عن بلدك ما يبهج روحك كإنسان يعيش على وجه هذه الأرض، فلا تجد في نشرات الأخبار غير نفس تلك الوجوه التي تسبّبت في جعل بلدك العريق يصير بين الأمم كومة من المعسكرات والمباني والطرقات والجسور المهدّمة والمخربة، و«تستد نفسك» عن مواصلة الحياة، وتشعر بأنك في محنة حقيقية لن يخرجك منها غير أرحم الراحمين.
تجلس في البيت عازفاً عن مشاهدة الأخبار، لكي تجنّب دماغك عذابات التفكير في هذه الحرب التي لاطائل منها غير اتساع رقعة الفقر وتزايد أعداد العاطلين عن العمل، ولكن حتى هذا الخيار «الاستراتيجي» المتمثل في الهرب من فوضى الأخبار السيئة، لا يساعدك على الراحة والهدوء، فتسمع وأنت جالس في مكانك داخل البيت أصوات دوي الانفجارات القادمة من السماء ومن الأرض، ويتحوّل بيتك إلى محطة انتظار للموت ليس أكثر.
تخرج إلى الشارع لتقضي بعضاً من المشاوير التي لم تعد مهمة، فلا وظائف مستقرة، ولا رواتب مستمرة، ولا مواعيد يمكنها أن تعيد إليك معنوياتك وأحلامك القديمة، فكل شيء أصبح يسير إلى طريق مسدود وإلى أفق مظلم، وما من طريق إلى السعادة والهدوء إلا أن تضلّ الطريق.
تذهب لتلتقي الأصحاب الذين كنت تؤنس بهم أيامك وأوقاتك وتشاركهم النكات و«الحشوش اللذيذ»، وساعات المرح اليومي الطري، فتجد أن كل شيء بسبب الحرب والحصار قد أصبح خاوياً ويفتقد إلى الحماس.
فلا المقايل عادت مثيرة للسلى، ولا البوفيهات ضاجة بقرقعة فناجين الشاي، مثلما كانت من قبل، وحتى المجبر في تلك الأماكان الصاخبة بالحياة أصبح مجبراً يومياً مملاً ويسير باتجاه واحد عن الموتى المتكاثرين، وعن السكان المحبطين، وعن الآمال الخائبة ونذالات الزمن العجيب. 
تقرر الانزواء لوحدك بلا أخبار وبلا أصحاب وبلا مشاوير تستدعيك للخروج إلى الشارع، ويمضي عليك الوقت كله وأنت في عزلتك تفكر في المستقبل الذي أصبح الحديث عنه والتفكير به لا يختلف تماماً عن التفكير والحديث عن ميت كان يمشي في طريقه بثبات وفجأة سقط إلى الجبّ وما من سيّارة تلتقطه ويكون بوسعها إعادته إليك. 
تفكر في «الحكومة الشرعية»، وبأشكال أعضائها التي ظهر عليها النعيم والرغد، وتقول في نفسك: «هل كان يفترض بي أن أؤيد العدوان عشان اسمن وتتورد خدودي وكرشي ينتفخ؟!»، إنه «في رأيي ثمن باهظ نظير شوية سمنة وشوية رصيد بنكي بالريال السعودي وبالدولار».
تفكر في «حكومة الإنقلابيين»، وبالشقاء اليومي الذي أقحمونا فيه مقابل أن يسمن المشرفون، ويصير لديهم عقارات مهوولة وسيارات «ليكزس» ومجموعة من الأطقم البنية السريعة، وتقول في نفسك: «هل كان يفترض بي أن أؤيد مليشيا مسلّحة انقلبت على الدولة عشان أكون من أصحاب الشاصات والليكزس؟!» وهو في رأيي أيضاً ثمن باهظ للحفاظ على لقمة العيش المضنية، في هذا البلد الذي يهان فيه أبناؤه المخلصون، ويصيرون على الدوام عرضة لمشاعر وأحاسيس الفشل والضياع بين الطهابيش.

إنها عموماً، وبكل صراحة وصدق، حرب مجرمة وظالمة، طالت بأذيتها المتواصلة شرائح كثيرة وكبيرة من المجتمع، ولم يعد هناك طبقة وسطى يمكنك الحديث عنها، ولا طبقة ثرية يمكنك المراهنة على أخلاقها، وكل الذي أصبح موجوداً الآن طبقة طفيلية من التجار الجدد، وطبقة من اللصوص الذين أصبحت الحرب بالنسبة إليهم بنكاً للارتزاق، وأصبح الحصار بالنسبة إليهم أيضاً باباً مفتوحاً لنهب المعونات والمساعدات الإنسانية. وبين هؤلاء المتاجرين والمرابين، شعب صبور يتعرّض للأذية المستمرة وللصفعات الموجعة من الجميع.

ولقد أصبح لدينا بفضل هذه الحرب المدمرة مجتمع مفكّك يقتات على الكراهية والأحقاد، وينتظر بفارغ الصبر نهاية قريبة لهذه المأساة المدمّرة التي لم تبقِ شيئاً من الفضائل إلا ودكّتها وطرحتها أرضاً. وأصبح لدينا، بفضل الحصار الجائر في البر والبحر والجو، مجتمع متعثّر يعيش أوقاتاً رتيبة وظروفاً قاسية وأوضاعاً معيشية صعبة، لا يشعر بها أحد من جهابذة الحرب في الداخل والخارج والمجتمع الدولي بأكمله.

هنا في اليمن الجريح، على أية حال، أمّة موجوعة وشوارع مزحومة بطوابير الباحثين عن البنزين والغاز والديزل، ولا جديد يطل برأسه على شعب اليمن المتعب غير أخبار القتلى والجرحى، وخبابير المفاوضات العقيمة، بين صعاليك الحرب وتجّار الشنط باسم القضية اليمنية.