رحيل التاريخ من بوابة يوسف محمد عبدالله.. اليمن المحاصر بالحوثية

المخا تهامة - منذ 16 يوم و 11 ساعة و 24 دقيقة
المخا، نيوزيمن، خاص:

رحل البروفيسور يوسف محمد عبدالله، أستاذ التاريخ والآثار بجامعة صنعاء، بعد حياة حافلة بالبحث العلمي والعملي في مجالي علوم التاريخ واكتشاف النقوش الأثرية، وفك شفرات الخطوط القديمة للحضارات اليمنية، ليسدل الستار عن أحد أهم شخصية علمية خلال أكثر من 5 عقود.

مات يوسف في فترة صراع خطيرة طرفها الأول الشعب اليمني والآخر "ذراع إيران" في اليمن، من هنا أتى تقدير المراقبين لحجم هذه الخسارة في اللحظة الراهنة.

رؤية المليشيا لتاريخ اليمن 

في إحدى محاضراته أبدى حسين الحوثي قبل مقتله في 2004 امتعاضه من الاهتمام الزائد بالتاريخ والآثار عمومًا واليمن خصوصًا، كما قلل من أهميتها ودورها، على اعتبار أن ذلك يأتي على حساب التاريخ الإسلامي، حسب قوله.

الحوثي هاجم حضارات حمير، وسبأ، ومعين، وسخر من أعمدة "عرش بلقيس" في مأرب خلال حديثه، ومن الحضارة "الآشورية" في بلاد العراق والشام و"الفرعونية" في مصر.

تلك الرؤية، بحسب مراقبين، تكمن في فكر هذه الجماعة المتطرف والذي لا يختلف عن داعش كثيرًا إلا بمسائل عقائدية، إضافة إلى نهجها الذي تريد به تغيير مفاهيم كثيرة بما فيها تاريخ اليمن القديم.

إشارات واضحة عكست واقعا تَمثل في تهميش ذراع إيران لكوارد جامعة صنعاء العلمية وإيقاف مرتباتهم ومصادرة أماكن سكنهم كجزء من عقاب بسبب عطاءاتهم.

يوسف ليس اسمًا عابرًا

في الوقت الذي تخلت جميع الأطراف عن علماء جامعة صنعاء كانت تجاربهم حاضرة رغم تعمد تهميشها، على سبيل ذلك الدكتور يوسف، الذي يعد حجة في علوم التاريخ، ومكتشف "خط الزبور اليماني"، وأول من وضع كتاباً بحثياً لقراءة الحياة اليومية في اليمن القديم بخط الزبور، ومترجم قصيدة "ترنيمة الشمس" التي تأتي بمثابة دستور ونشيد وطني.

كما عمل استاذاً للآثار واللغة اليمنية القديمة في قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة صنعاء، ونائباً لرئيس المجمع اللغوي، ورئيساً سابقاً للهيئة العامة للآثار والمخطوطات، ومستشاراً لرئيس الجمهورية.

وبحسب المصادر فقد حرص البروفيسور خلال حياته على جمع كافة الآثار والمخطوطات في كشوفات وترقيمها، حتى لا تتعرض للسطو والتهريب، إضافة إلى تعميمها وربطها مع عديد من المتاحف العربية الهامة في العراق وغيره.

سافر د. يوسف كثيرًا باحثًا عن المعرفة وتعلم لغة الآخرين وحضاراتهم، بالإضافة إلى حرصه على نيل العديد من الشهادات في فترات السبعينات والثمانينات والتسعينات.

بدأ مشواره العلمي من العاصمة عدن، درس الابتدائية والمتوسطة قبل أن يلتحق في لبنان بالجامعة الأمريكية، ليحصل على البكالوريوس، ثم على درجة الماجستير سنة 1970م.

اتجه يوسف محمد عبدالله غربا إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، وهناك التحق بجامعة "توبنغن"، حصل منها على درجة الدكتوراه عام 1975م، وفي سنة 1980 حصل على شهادة مؤسسة "الكسندرفون همبولدت" الألمانية في البحث العلمي لما بعد الدكتوراه.

صار يوسف محاضرًا مهما يتنقل بين الجامعات العربية والغربية وجامعتي صنعاء وعدن، تقلد مناصب إدارية وأكاديمية هامة في الدولة خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي وحتى ما بعد العام 2002.

مرجع تاريخي وعلمي

ترك الأستاذ يوسف مجموعة كبيرة من المراجع والمؤلفات والبحوث والدراسات، وله أكثر من 10 كتب بحثية إضافة إلى اجادته العديد من اللغات كالانجليزية والألمانية، وتخصصه في اللغات والكتابات والنقوش القديمة.

نال على إثرها العديد من الشهادات والأوسمة والميداليات تقديرا لجهوده العلمية كما برز اسمه في طليعة قائمة العلماء المتميزين في العالم في شتى التخصصات العلمية والإنسانية.

ويعد يوسف محمد عبدالله 2021 -1943 هو الرقم (5) ضمن الذين غادروا "كلية الآثار" خلال الأعوام الأخيرة والرقم (4) ضمن علماء التاريخ أيضا من الذين توفوا في ظروف صعبة عاشوها وعاشها البلد مؤخرًا.

وكانت نقابة هيئة التدريس في جامعة صنعاء قد نعت في بيان لها على صفحتها في فيس بوك رحيل البروفيسور/ يوسف محمد عبدالله أستاذ علم الآثار القديم بقسم الآثار والسياحة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، والذي اعتبرته خسارة كبيرة لجامعة صنعاء واليمن.

المليشيا تعاقب التاريخ

كان إيقاف رواتب أكاديميي جامعة صنعاء جزءاً من عقاب واسع اتخذته ذراع إيران من أجل صرفهم عن الاعتناء بتاريخ وحضارة اليمن وتكريس الجهود لتدريس منهج خاص بها.

ضمن من تعرضوا لهذا العقاب د. يوسف محمد عبدالله، د. حسين العمري، د. سيد مصطفى، مصري تم منحه الجنسية اليمنية مطلع 80م لإسهاماته، تم مصادرة شقته قبل وفاته بأيام والعبث بمحتوياتها من قبل مليشيا الحوثي.

هؤلاء الثلاثة أسهموا إسهامًا كبيرًا ومباشرًا في تطوير العملية التعليمية في الجامعات اليمنية وتحديد مسارات التاريخ اليمني ومن خلال تقلدهم مناصب عليا في الدولة.