من القارة إلى الموسطة.. مهرجانات يافع التراثية تعزز التلاحم وتحفظ إرثاً عريقاً

الجنوب - منذ ساعتان و 8 دقائق
يافع، نيوزيمن، خاص:

تشهد مناطق يافع خلال السنوات الأخيرة حراكاً ثقافياً وتراثياً متنامياً، تجسد في المهرجانات الشعبية التي تحولت من مجرد مناسبات احتفالية إلى منصات مجتمعية جامعة تسهم في تعزيز التلاحم الاجتماعي وإحياء الموروث الثقافي والتاريخي الذي تزخر به المنطقة، وفي مقدمة ذلك مهرجانا القارة التراثي والموسطة الشعبي اللذان استقطبا آلاف المشاركين والزوار من مختلف مناطق الجنوب.

ففي الوقت الذي اختتمت فيه منطقة الموسطة فعاليات مهرجان الموروث الشعبي اليافعي بحضور قيادات سياسية واجتماعية وعسكرية بارزة، كانت أصداء مهرجان القارة التراثي الذي أقيم قبل أيام لا تزال حاضرة في المشهد الثقافي والاجتماعي اليافعي، في دلالة واضحة على المكانة التي باتت تحظى بها هذه الفعاليات بوصفها أدوات للحفاظ على الهوية وتعزيز وحدة المجتمع.

وشهد مهرجان الموسطة عروضاً تراثية متنوعة جسدت جانباً من الإرث الثقافي الذي تميزت به يافع عبر التاريخ، حيث قدمت فرق البرع اليافعي لوحات فنية عكست معاني الشجاعة والإباء والسلام والانتصار، فيما حمل المشاركون السيوف الحميرية والجنابي اليافعية والأعلام الجنوبية، في مشهد استعاد صوراً من الذاكرة الشعبية المرتبطة بتاريخ المنطقة وهويتها الثقافية.

وأكدت الكلمات التي ألقيت خلال المهرجان أن الحفاظ على التراث الشعبي لم يعد مجرد نشاط ثقافي، بل أصبح جزءاً من مشروع أوسع لحماية الهوية الجنوبية ونقل الموروث الاجتماعي والعادات الأصيلة إلى الأجيال الجديدة، في ظل التحديات الثقافية والاجتماعية التي تفرضها التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع.

وخلال مشاركته في المهرجان، أشار الشيخ عبدالرب النقيب إلى أهمية هذه الفعاليات في تعزيز الروابط الاجتماعية والوطنية بين أبناء الجنوب، فيما أكد الأستاذ وضاح الحالمي أن مهرجان الموسطة يعكس تمسك أبناء يافع بموروثهم الثقافي والحضاري، ويجسد حرصهم على المحافظة على العادات والتقاليد التي تشكل جزءاً أصيلاً من الهوية الجنوبية.

ولا يختلف مهرجان القارة كثيراً في أهدافه ورسائله عن مهرجان الموسطة، إذ تحول خلال السنوات الماضية إلى ملتقى سنوي واسع يجمع أبناء يافع من مختلف المديريات والمحافظات وحتى من المغتربين في الخارج، في مشهد يعكس قوة الروابط الاجتماعية التي ما تزال تحكم المجتمع اليافعي.

ويحمل مهرجان القارة أبعاداً تاريخية خاصة، إذ يستمد اسمه من قلعة القارة التاريخية التي ظلت لعقود طويلة رمزاً لوحدة يافع وحصناً يحمي أبناءها، فيما ترتبط فعالياته بالموروث الحميري الذي تعد يافع إحدى أبرز مناطقه التاريخية.

ويرى متابعون أن نجاح هذه المهرجانات لا يكمن فقط في حجم الحضور الجماهيري أو التنوع الثقافي الذي تقدمه، بل في قدرتها على أداء أدوار اجتماعية مهمة تتجاوز الطابع الاحتفالي، من خلال ترسيخ قيم التسامح وتقوية العلاقات بين القبائل ومعالجة القضايا المجتمعية بروح جماعية، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحد من الخلافات.

كما تمثل هذه الفعاليات فرصة لإبراز الموروث الثقافي الغني الذي تتميز به يافع، سواء من خلال الرقصات الشعبية والأهازيج والزوامل الشعرية أو عبر الأزياء التقليدية والحرف اليدوية والمأكولات الشعبية التي تعكس خصوصية المنطقة وتاريخها الممتد عبر قرون.

ويؤكد الإقبال المتزايد الذي تشهده مهرجانات يافع عاماً بعد آخر أن المجتمع المحلي ينظر إليها باعتبارها أكثر من مجرد مناسبة ترفيهية، بل مساحة جامعة لإعادة وصل الأجيال بتاريخها، وتعزيز الشعور بالانتماء المشترك، وترسيخ الهوية الثقافية في مواجهة محاولات طمس الخصوصيات المحلية أو إضعاف الروابط الاجتماعية.

وبين مهرجان القارة الذي يستحضر رمزية التاريخ الحميري وقلعته الشهيرة، ومهرجان الموسطة الذي يحتفي بالموروث الشعبي والعادات المتوارثة، تواصل يافع تقديم نموذج لافت في توظيف الثقافة والتراث كوسيلة لتعزيز التلاحم المجتمعي وصون الهوية التاريخية، وتحويل المهرجانات الشعبية إلى مناسبات وطنية واجتماعية تعكس عمق الانتماء للمكان والتاريخ والإنسان.