تحليل: اختزال أزمة إيران في النووي يغفل جوهر الصراع الإقليمي

السياسية - منذ 59 دقيقة
أبوظبي، نيوزيمن، خاص:

تتجه الأزمة بين واشنطن وطهران نحو مرحلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، إذ لم يعد الصراع محصوراً في الملف النووي أو مستويات التخصيب، بل بات يعكس خلافاً أعمق حول طبيعة الدور الإيراني في الإقليم وحدود نفوذه الإقليمي. 

ومع تداخل المسارات العسكرية والدبلوماسية، وتزايد الضغوط الأميركية والإسرائيلية، يبرز نقاش متصاعد داخل دوائر البحث والسياسة حول ما إذا كانت الأزمة الحالية تمهيداً لتسوية شاملة تُعيد تعريف قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، أم أنها مقدمة لجولة جديدة من التصعيد قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة بصورة جذرية.

وكشف تحليل نشره موقع "سكاي نيوز عربية" أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران دخلت مرحلة أكثر تعقيداً تتجاوز الملف النووي التقليدي، لتصل إلى بنية النظام الإيراني وسلوكه الإقليمي وشبكة نفوذه في المنطقة، في ظل تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية، وتزايد الحديث عن إعادة صياغة شاملة لموازين القوى في الشرق الأوسط.

ويؤكد التحليل، الذي استند إلى قراءات لعدد من الباحثين في العلاقات الدولية، أن الصراع لم يعد يدور فقط حول تخصيب اليورانيوم أو الاتفاقات التقنية، بل بات مرتبطاً بطبيعة الدور الإيراني الإقليمي، وحدود تمدده عبر ما يُعرف بـ"الأذرع" المنتشرة في عدد من دول المنطقة.

من الملف النووي إلى هندسة النفوذ الإقليمي

وبحسب التحليل، فإن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنظر إلى الأزمة من زاوية أوسع من الملف النووي، إذ تربط أي تسوية محتملة بضرورة معالجة سلوك إيران الإقليمي، وليس فقط برنامجها النووي أو قدراتها الصاروخية.

ويشير كبير الباحثين في المجلس الأطلسي بواشنطن سمير التقي إلى أن الضغوط العسكرية الأخيرة على أذرع إيران الإقليمية غيّرت جزءاً من الحسابات الاستراتيجية، وأن أي اتفاق مستقبلي لن يقتصر على تعهدات نووية، بل سيمتد إلى دور طهران السياسي والعسكري في المنطقة.

كما يلفت التقي إلى أن إشراك دول الخليج في أي مسار تفاوضي أصبح عنصراً محورياً، باعتبار أن هذه الدول ليست فقط متأثرة مباشرة بتداعيات الصراع، بل أيضاً طرفاً أساسياً في صياغة الاستقرار الإقليمي، وهو ما دفع واشنطن إلى توسيع دائرة التشاور معها في المرحلة الحالية.

وفي السياق ذاته، يرى الكاتب الصحفي محمد الحمادي أن دول الخليج باتت جزءاً مؤثراً في المعادلة السياسية الجارية، بعد أن كانت في مراحل سابقة أقرب إلى موقع المتلقي لنتائج التفاهمات الدولية. ويؤكد الحمادي أن الدول الخليجية، رغم عدم انخراطها المباشر في الحرب، تتحمل العبء الأكبر من تداعياتها الأمنية والاقتصادية، ما يمنحها وزناً متزايداً في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة تتعلق بإيران.

أزمة تتجاوز "التخصيب" إلى "عقلية النظام"

ويجمع عدد من المشاركين في التحليل على أن جوهر الأزمة لم يعد تقنياً أو نووياً بحتاً، بل بات مرتبطاً بما يوصف بـ"عقلية النظام الإيراني" وكيفية توظيفه لقدراته في البيئة الإقليمية. ويذهب محمد الحمادي إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أزمة الثقة مع إيران، حيث لا ينحصر القلق في امتلاك القدرات العسكرية، بل في كيفية استخدامها ضمن سياسة توسع نفوذ تتجاوز حدود الدولة الوطنية التقليدية.

أما الباحث في العلاقات الدولية إيلي الهندي، فيرى أن تغيير هذا السلوك يبدو بالغ الصعوبة، لأن دعم الحلفاء الإقليميين يمثل جزءاً بنيوياً من عقيدة النظام الإيراني، وليس مجرد أداة سياسية قابلة للتعديل السريع.

ويشير الهندي إلى أن طهران تنظر إلى ساحات مثل لبنان والعراق واليمن بوصفها امتداداً مباشراً لنفوذها، وهو ما يجعل الصراع في هذه الدول جزءاً من المعادلة الاستراتيجية الأوسع، وليس ملفات منفصلة.

وعلى مستوى الخيارات الأميركية، يلفت سمير التقي إلى أن النقاش داخل واشنطن لم يعد يقتصر على الضربات المحدودة، بل يمتد إلى سيناريوهات أكثر شمولاً تشمل استهداف القدرات النووية والبنية التحتية المرتبطة بها، إلى جانب استخدام أدوات ضغط اقتصادية صارمة.

كما أشار إلى أن الحصار الاقتصادي يظل أحد أهم أدوات الضغط المتاحة، خصوصاً في ما يتعلق بتشديد الرقابة على صادرات النفط وطرق التهريب، بما يهدف إلى تقليص الموارد المالية الإيرانية.

وفي المقابل، يرى المحلل محمد الحمادي أن أي تحرك عسكري، إذا حدث، لن يكون كافياً ما لم يشمل البنية الإقليمية المرتبطة بإيران، بما في ذلك الجماعات المسلحة الحليفة لها، معتبراً أن التعامل الجزئي مع الملف لن يؤدي إلى نتائج حاسمة.

جدل حول الواقعية العسكرية

في المقابل، يتبنى الباحث محمد الزغول رؤية أكثر حذراً تجاه الطروحات العسكرية المتداولة، خصوصاً ما يتعلق بإمكانية الوصول السريع إلى المخزون النووي الإيراني أو نقله.

ويؤكد الزغول أن إيران تمتلك كميات كبيرة من المواد النووية موزعة في مواقع شديدة التحصين، بعضها يقع في منشآت عميقة ومعقدة، ما يجعل أي عملية عسكرية مباشرة عملية شديدة التعقيد، وتتطلب ترتيبات طويلة الأمد وقدرات ميدانية واسعة.

كما يشير إلى أن السيناريوهات المطروحة تتضمن عملياً عمليات طويلة المدى تتجاوز فكرة الضربة السريعة، وتقترب من إعادة تشكيل ميداني للمنطقة المحيطة بالمنشآت النووية.

ويرى الزغول أن الاستراتيجية الحالية تهدف إلى إخضاع النظام الإيراني عبر مسار متعدد الأبعاد، يجمع بين الضغط العسكري، وإضعاف الأذرع الإقليمية، وتفكيك البنية الاقتصادية، بما يؤدي في النهاية إلى تقليص قدرة طهران على التأثير الإقليمي.

ويضيف أن هذه الضغوط، إذا استمرت، قد تؤدي إلى انعكاسات داخلية على مستوى شرعية النظام، خصوصاً في ظل كلفة المشروع الإقليمي والنووي على الاقتصاد الإيراني خلال العقود الماضية.

ويخلص التحليل إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة تتجاوز الحسابات النووية الضيقة، نحو إعادة تعريف شاملة لدور إيران وحدود نفوذها في الشرق الأوسط، في ظل تداخل المسارات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية.

وبينما تبقى فرص التوصل إلى تسوية قائمة عبر الوساطات الإقليمية، فإن استمرار الضغط المتبادل يبقي جميع السيناريوهات مفتوحة، من اتفاق مشروط إلى تصعيد واسع قد يعيد رسم خريطة التوازنات الإقليمية بشكل جذري.