رواتب تُنهب وأخرى تتأخر.. معلمو اليمن يدفعون الثمن

السياسية - منذ ساعة و 15 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

في بلدٍ أنهكته الحرب وتآكلت فيه مؤسسات الدولة، لم تعد أزمة الرواتب مجرد ملف مالي عابر، بل تحولت إلى مأساة إنسانية يومية يعيشها المعلم اليمني في مختلف المحافظات اليمنية.

فبين سلطات في صنعاء تُتهم بالتلاعب والمماطلة في صرف المستحقات، وحكومة معترف بها دولياً في عدن تواجه انتقادات متكررة بسبب التأخير، يجد المعلم نفسه عالقاً في دائرة مغلقة من الانتظار الطويل والوعود المؤجلة، في وقت تتفاقم فيه الأعباء المعيشية بشكل غير مسبوق.

نهب ومماطلة حوثية 

في مناطق سيطرة الحوثيين، تتصاعد شكاوى التربويين من ما يصفونه بـ"العبث" في آلية صرف الرواتب، بعد إعلان رسمي عن صرف نصف راتب شهر فبراير 2026، قبل أن يتفاجأ الموظفون بأن ما تم اعتماده فعلياً هو نصف راتب شهر مارس، وليس فبراير كما ورد في التوجيهات الرسمية.

وبحسب شكوى قانونية قدمها عدد من التربويين إلى وزارات المالية والخدمة المدنية والتربية والتعليم في حكومة صنعاء، فإن هذا التغيير غير المعلن في شهر الصرف يمثل – وفق وصفهم – مخالفة واضحة للإجراءات المالية والإدارية، ويمسّ مباشرة الحقوق الوظيفية المستحقة.

وأكد المعلمون أن المشكلة لا تتعلق فقط بخطأ إداري، بل تعكس حالة من عدم الانضباط في إدارة ملف المرتبات، مشيرين إلى أن الموظف لا يمكن أن يتحمل تبعات أي خلل في البيانات أو التنفيذ. وطالبوا بتصحيح الوضع فوراً وصرف راتب فبراير بشكل مستقل وواضح، مع إصدار توضيح رسمي يشرح أسباب ما حدث، محذرين من اللجوء إلى إجراءات قانونية في حال استمرار التجاهل.

ويؤكد تربويون أن استمرار هذا النهج يفاقم من فقدان الثقة بين الموظفين والجهات الإدارية، ويزيد من معاناة آلاف الأسر التي تعتمد بشكل أساسي على هذه الرواتب المحدودة.

تجاهل حكومي وتأخر

في المقابل، لا تبدو الصورة أفضل حالاً في مناطق الحكومة الشرعية، حيث جددت نقابة المعلمين اليمنيين في محافظة تعز مطالبتها بصرف رواتب المعلمين المتأخرة عن شهري أبريل ومايو 2026، في ظل استمرار التأخير الذي ينعكس مباشرة على الواقع المعيشي الصعب للكوادر التربوية.

وقالت النقابة في بيان لها إن راتب شهر أبريل لم يُصرف حتى الآن رغم دخول شهر مايو واقتراب عيد الأضحى، وهو ما يزيد من حجم الضغوط المالية على المعلمين الذين يواجهون التزامات أسرية متصاعدة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

وأضافت النقابة أن استمرار هذا التأخير لا ينسجم مع أي التزامات حكومية معلنة تجاه قطاع التعليم، مشددة على ضرورة صرف المستحقات المتأخرة بشكل عاجل ودون مزيد من التأخير. كما دعت إلى تسوية العلاوات المتأخرة وإعادة النظر في سلم الأجور بما يتناسب مع الوضع الاقتصادي الحالي وغلاء المعيشة.

ويحذر تربويون من أن استمرار هذه الأزمة يهدد استقرار العملية التعليمية، ويضع المعلم في مواجهة مباشرة مع ضغوط معيشية قد تنعكس سلباً على جودة التعليم وانتظامه.

إهمال وتهديد المستقبل

ويرى ناشطون تربويون أن أزمة الرواتب لم تعد مجرد قضية وظيفية، بل أصبحت قضية مستقبل وطن. ويؤكد الناشط عبد الكريم عز الدين أن حرمان المعلم من راتبه لا يمكن اعتباره توفيراً مالياً، بل هو – على حد وصفه –"خسارة لأمة بأكملها".

ويشير عز الدين إلى أن المعلم ليس مجرد موظف، بل هو أساس بناء الأجيال، وأن تدهور وضعه المعيشي ينعكس مباشرة على العملية التعليمية برمتها. فحين يعجز المعلم عن تلبية احتياجاته الأساسية، تتراجع قدرته على العطاء، ويتأثر مستوى التعليم بشكل مباشر.

كما يحذر من أن تراكم هذا الإهمال لا يُسقط الحقوق، بل يعمّق حالة الاحتقان، موضحاً أن تجاهل المطالب لفترات طويلة يؤدي إلى تحوّلها إلى صرخة مجتمعية وموقف ضاغط، قد تكون له تداعيات أوسع على مستقبل التعليم في البلاد.

ويلفت ناشطون تربويون إلى ما يعتبرونه تناقضاً واضحاً في السياسات المتعلقة بالمعلمين، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يُحرم المعلمون من جزء من رواتبهم بذريعة أنهم في "إجازة"، بينما يُجبرون فعلياً على أداء مهام إضافية خلال تلك الفترات.

ويشير الناشط عبد القوي الفقيه إلى أن المعلمين يُكلفون بمهام مراقبة الامتحانات والمشاركة في المراكز الصيفية، في الوقت الذي يتم فيه تبرير حرمانهم من الرواتب بنفس هذه الفترة، وهو ما يصفه بأنه تناقض صريح واستنزاف للمعلم دون مقابل.

ويؤكد الفقيه أن هذا الواقع يعكس حالة من الضغط المتواصل على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم مطالبين بالعمل والالتزام، مقابل حرمان متكرر من حقوقهم المالية الأساسية، في ظل غياب أي معالجة عادلة أو واضحة لهذا الملف.

مبررات انتهت صلاحيتها

استمرار انقطاع الرواتب لسنوات طويلة في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي لم يعد يمكن تبريره بالمبررات السياسية أو الأمنية كما تحاول قيادات الجماعة تأكيده أو الترويج له، خصوصاً في ظل اعتماد خطاب "الحصار والعدوان" كسبب رئيسي لتأخير المرتبات.

ويؤكد الناشط زيد الكبسي أن الراتب حق قانوني ودستوري، وليس منحة أو امتيازاً، مشيراً إلى أن استمرار هذا الوضع لسنوات يعكس خللاً عميقاً في إدارة الموارد العامة وحقوق الموظفين. ويضيف أن قبول المجتمع بواقع “نصف راتب” أو مبالغ لا تتناسب مع الحد الأدنى للمعيشة ساهم في استمرار الأزمة، داعياً إلى تحرك أوسع لاستعادة الحقوق المالية للموظفين.

كما يلفت إلى الفجوة الكبيرة بين وضع المعلم اليمني ونظرائه في دول أخرى، حيث يعيش المعلم في ظروف معيشية صعبة للغاية، رغم دوره المحوري في بناء المجتمع، ما يعكس – بحسب وصفه – اختلالاً كبيراً في الأولويات الاقتصادية والإنسانية.

في النهاية، تتكشف صورة معقدة لقطاع التعليم في اليمن، حيث يقف المعلم في قلب أزمة ممتدة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، في وقت تتراجع فيه قدرته على الصمود، بينما يظل مستقبل التعليم نفسه على المحك، ما لم تُتخذ معالجات جذرية تعيد الاعتبار لهذه الفئة التي تُعد حجر الأساس لأي نهضة مجتمعية.