دراسة فرنسية تعيد قراءة ما قبل التاريخ في اليمن وتدعو لتجاوز النماذج الجاهزة
السياسية - منذ ساعة و 16 دقيقة
باريس، نيوزيمن:
كشفت دراسة بحثية حديثة عن مقاربة علمية جديدة لإعادة فهم المراحل المبكرة من التاريخ البشري في اليمن، داعية إلى مراجعة المفاهيم التقليدية المتداولة في الأدبيات الأثرية، والاعتماد بشكل أكبر على الدليل المادي بدل إسقاط النماذج النظرية الجاهزة.
الدراسة حملت عنوان "من ما قبل التاريخ إلى عصور ما قبل التاريخ في اليمن" ونشرتها مجلة كرونيك الفرنسية، وأعدّها الباحثان ريمي كراسار ولمياء خالدي. وجاءت ضمن جهود بحثية تهدف إلى إعادة بناء الإطار المفاهيمي لدراسة ما قبل التاريخ في اليمن، عبر تفكيك المصطلحات الكلاسيكية وإعادة صياغتها بما يتناسب مع خصوصية البيئة اليمنية، بعيدًا عن النماذج الأوروبية أو الشرق أوسطية العامة.
وتشير الدراسة إلى أن أحد أبرز الإشكالات في دراسة ما قبل التاريخ اليمني يتمثل في استخدام مصطلحات مثل "العصر الحجري الحديث"، رغم عدم توفر أدلة كافية على وجود أنماط الزراعة والاستقرار وتدجين الحيوانات بالشكل الذي يبرر هذا التصنيف في السياق اليمني.
وتقترح الدراسة بدائل أكثر دقة، تعتمد على التقسيمات الجيولوجية مثل فترتي الهولوسين المبكر والمتوسط (10000 – 4000 قبل الميلاد)، باعتبارها إطارًا أكثر حيادًا في قراءة المعطيات الأثرية، بدل التصنيفات الثقافية الجاهزة.
وتبرز الدراسة عددًا من المواقع الأثرية المهمة في اليمن، خاصة في حضرموت وتهامة، حيث أظهرت البعثات الأثرية وجود أنماط استيطان مبكرة وصناعات حجرية متقدمة، إلى جانب تلال أصداف تعكس أنظمة معيشية قائمة على الصيد وجمع الموارد البحرية.
كما تشير إلى اكتشافات في موقع الشُّماة المؤرخة بالألف السابع قبل الميلاد، إضافة إلى مواقع أخرى أظهرت تحولات تدريجية من اقتصاد الصيد إلى أنماط أكثر استقرارًا في الفترات اللاحقة.
وفي حضرموت، ساهمت بعثات بحثية فرنسية وسوفييتية في الكشف عن طبقات أثرية تعود إلى مئات آلاف السنين، رغم استمرار الجدل العلمي حول دقة التأريخ في بعض هذه المواقع.
وتؤكد الدراسة أن اليمن يمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا بين أفريقيا وآسيا، ما يجعله نقطة محورية محتملة لفهم مسارات الهجرات البشرية القديمة، وليس مجرد منطقة هامشية في السرديات الأثرية التقليدية.

كما تسلط الضوء على تنوع الأدوات الحجرية المكتشفة، بما فيها الصناعات الأشولية واللفالوازية، والتي تُعد مؤشرات على تطور تقني مبكر، مع التحفظ على دلالاتها الزمنية الدقيقة.
وخلصت الدراسة إلى أن فهم ما قبل التاريخ في اليمن لا يمكن أن يتحقق عبر القوالب النظرية المستوردة، بل من خلال بناء منهج علمي يعتمد على الأدلة المادية، وتطوير قواعد بيانات أثرية وطنية، وتعزيز البحث الميداني المنظم.
كما تدعو إلى إنشاء منظومة بحثية إقليمية في الجزيرة العربية، تربط بين النتائج الأثرية في اليمن والمناطق المجاورة، بما يسمح بإعادة بناء تسلسل زمني أكثر دقة لتاريخ الإنسان في المنطقة.
وتؤكد الدراسة في ختامها أن ما قبل التاريخ في اليمن ليس فراغًا معرفيًا، بل حقل بحثي واسع لا يزال في طور الاكتشاف، وأن التعامل معه علميًا يتطلب أدوات تحليل حديثة، بعيدًا عن التعميمات والتصورات المسبقة، بما يعزز فهمًا أكثر دقة لتاريخ الإنسان في جنوب الجزيرة العربية.
>
