مستشفيات بلا دعم ومرضى بلا خدمات.. الصحة تنهار في اليمن
السياسية - Saturday 21 February 2026 الساعة 10:53 pm
عدن، نيوزيمن:
في غرفة فحص ضيقة داخل عيادة ريفية بمنطقة الكود في محافظة أبين، تستلقي الطفلة رانيا موسى (13 عامًا) منهكةً بعد انقطاع جرعات المضاد الحيوي التي تُبقي فقر الدم تحت السيطرة. لم تعد العيادة تملك الدواء الذي كانت توفره مجانًا، وأصبحت أسرتها، بالكاد القادرة على تأمين الغذاء، مطالبة بشرائه من الصيدليات بأسعار تفوق قدرتها.
هذا المشهد، الذي وثقته صحيفة لوس أنجلس تايمز الأمريكية في تقرير حديث، لا يعكس حالة فردية، بل صورة مكثفة لأزمة منظومة صحية تتآكل مواردها بسرعة وتنزلق نحو عجزٍ واسع النطاق.
وبحسب التقرير، تراجع التمويل الأميركي المخصص لليمن بصورة حادة خلال العام الماضي، ما أحدث صدمة فورية في برامج الإمداد الدوائي والتحصين والرصد الوبائي. الانتقال من مئات الملايين من الدولارات إلى عشرات الملايين فقط انعكس على سلاسل التوريد، فتوقفت شحنات أدوية أساسية، ونفدت مخزونات اللقاحات، وتعطلت برامج علاج الأمراض المزمنة.
الأثر لم يقتصر على الأدوية، بل طال رواتب الكوادر الصحية وحوافزها، ما دفع كثيرين إلى ترك مواقعهم أو تقليص ساعات العمل. وفي بيئة يغيب فيها التأمين الصحي وتتدنى فيها الدخول، يتحول أي انقطاع في التمويل إلى عبء مباشر على الأسر، التي تجد نفسها أمام خيارين قاسيين: إما شراء الدواء بأسعار السوق، أو تأجيل العلاج بما يحمله من مخاطر صحية جسيمة.
انهيار صامت في الأطراف
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 453 مرفقًا صحيًا — من مستشفيات ومراكز رعاية أولية وعيادات متنقلة — تواجه خطر الإغلاق الجزئي أو الوشيك. هذا الرقم لا يعني فقط تقليص خدمات، بل احتمال انقطاع الرعاية في مناطق كاملة، خصوصًا الريفية والنائية التي تعتمد كليًا على الدعم الخارجي.
في مستشفى الرازي بمحافظة أبين، يصف أطباء واقعًا يوميًا قاسيًا: مرضى يُطلب منهم شراء الخيوط الجراحية والمضادات الحيوية والكحول الطبي من خارج المستشفى قبل إجراء العمليات. بعضهم يؤجل الجراحة لعدم القدرة على تحمّل الكلفة، ما يفاقم الحالات ويزيد المضاعفات. أما أجهزة التعقيم والفحص، فبعضها متعطل منذ أشهر لغياب الصيانة وقطع الغيار.
اليمن، الذي يعيش منذ 2014 حربًا مدمرة، يضم نحو 19.5 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية خلال 2025، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 22 مليونًا في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية واستمرار الاضطرابات. هذه الأرقام تعني ضغطًا متزايدًا على نظام صحي مُنهك أصلًا، يعتمد بدرجة كبيرة على المنح الدولية لتغطية التشغيل والأدوية.
وقال المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن، جوليان هارنيس، إن تلاقي الصراع مع فجوة التمويل ينذر بعام "صعب للغاية"، محذرًا من زيادة متوقعة في معدلات الوفيات والأمراض، لا سيما بين الأطفال الصغار. وفي بلد يعاني أصلًا من سوء تغذية واسع، فإن أي خلل في برامج التحصين أو الرعاية الأولية قد يطلق موجات تفشٍ يصعب احتواؤها.
خطر الأوبئة يلوح
مع تقلص التمويل، تراجعت أيضًا قدرات الإبلاغ والرصد. كثير من المراكز الصحية التي كانت ترفع تقارير منتظمة عن حالات الاشتباه بالأمراض المعدية لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها، ما يضعف الإنذار المبكر. وعلى الرغم من أن بعض المؤشرات الرسمية قد تبدو أقل من العام الماضي، يؤكد عاملون ميدانيون أن نقص أدوات الفحص والاختبارات يحجب الحجم الحقيقي للحالات.
الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا، تبقى تهديدًا قائمًا، خصوصًا في مناطق تعاني ضعف خدمات المياه والصرف الصحي. وفي حال تفشّت موجة جديدة، فإن محدودية الموارد قد تحول دون عزل الحالات أو توفير العلاج السريع، ما يرفع مخاطر الوفيات وانتشار العدوى عبر الحدود.
منظمات إغاثة خفّضت عملياتها إلى الحد الأدنى. بعضها أغلق مكاتب وسرّح مئات الموظفين، بعد أن تقلصت ميزانياته إلى نسبة ضئيلة مما كانت عليه. هذا التقليص لا يعني فقط نقصًا في الأدوية، بل فقدان خبرات محلية تراكمت على مدى سنوات في إدارة البرامج الصحية، والتوعية المجتمعية، والتعامل مع الطوارئ.
في عيادة الكود، كانت الخطة قبل عام تقضي بتوسيع ساعات العمل إلى 24 ساعة يوميًا. اليوم، تقلصت الخدمة إلى نوبات محدودة، وغادر معظم الأطباء، ولم يتبقَّ سوى طبيبة تزور المكان مرة أسبوعيًا بأجر رمزي، فيما تعتمد العيادة على "الشحنة الأخيرة" من الإمدادات التي وصلت قبل أشهر طويلة.
كلفة مضاعفة
تضع الصحيفة الأزمة ضمن سياق أوسع لتراجع المساعدات عالميًا، غير أن اليمن يبدو الأكثر هشاشة أمام هذه التحولات. فاقتصاده المنهك لا يستطيع تعويض الفجوة، والقطاع الخاص الصحي يظل بعيدًا عن متناول غالبية السكان. ومع انتقال عبء التكلفة إلى الأسر، يتفاقم الفقر الصحي: ديون لشراء العلاج، بيع أصول محدودة، أو التخلي عن الرعاية.
الأزمة الصحية لا تبقى في حدود المستشفيات؛ إنها تمتد إلى الإنتاجية وسوق العمل والتعليم، إذ تؤدي الأمراض غير المعالجة وسوء التغذية إلى تراجع القدرة على العمل والتعلم، ما يعمّق حلقة الفقر ويؤخر التعافي الاقتصادي.
وتبدو المنظومة الصحية في اليمن أمام اختبار وجودي. فجوة التمويل تتسع، والاحتياجات تتزايد، وقدرات الاستجابة تتقلص. وبين عيادات ريفية تفتقر إلى المضادات الحيوية، ومستشفيات تُحمّل المرضى كلفة المستلزمات الأساسية، وأوبئة تلوح في الأفق، تتجسد أزمة تتجاوز الأرقام إلى حياة يومية لملايين اليمنيين.
ما لم يُعاد بناء شبكة أمان تمويلية تضمن استدامة الحد الأدنى من الخدمات، فإن الانهيار قد لا يكون حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا تدريجيًا تتسارع وتيرته مع كل يوم يمر دون موارد كافية.
>
