تظاهرات جنوبية واسعة: مطالب الدولة تتجاوز الوظائف والمساعدات
السياسية - منذ ساعة و 43 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
تشهد محافظات جنوب اليمن في الأسابيع الأخيرة موجة تظاهرات شعبية حاشدة، عبّر المشاركون فيها عن مطالب سياسية واضحة تتجاوز الحدود التقليدية للاحتجاجات الخدمية والمعيشية. ورفع المتظاهرون شعارات تؤكد على الهوية الجنوبية والحق في تقرير المصير، مؤكدين تمسكهم بحل عادل لقضية الجنوب واستعادة الدولة، وسط استمرار مشاورات سياسية رعاية إقليمية في المملكة العربية السعودية تهدف لمعالجة الملفات العالقة في مسار التسوية الشاملة.
ويقول المشاركون إن مطالبهم لا تتعلق بالحصول على وظائف حكومية أو حوالات مالية، بل في استعادة دولة ووطن يعيش فيه الناس معًا بظروفهم، بعيدًا عن المحاصصات والتقسيمات التقليدية التي يفرضها خطاب الشمال المحرر والشتات على الموارد العامة.
ويأتي هذا الحراك الشعبي في ظل حالة من التباين والارتباك داخل القوى المناهضة للحوثيين، حيث يتركز خطاب بعض القوى الشمالية على تقاسم المناصب والوظائف العامة والميزانيات، في وقت يتراجع فيه الاهتمام بالقضايا الوطنية الكبرى، وعلى رأسها استعادة الدولة من ميليشيا الحوثي وإنهاء الانقلاب.
ويرى محللون أن هذا التباين يعكس فجوة عميقة بين الشارع الجنوبي، الذي رفع سقف مطالبه السياسية، ونخب سياسية ما زالت أسيرة حسابات الوظيفة والامتيازات الشخصية. في المقابل، يعيش المواطنون حالة من اليأس المتراكم في استعادة الأرض وبناء دولة جامعة، ما دفع كثيرين للبحث عن حلول فردية عبر الهجرة أو العمل خارج البلاد.
في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى مؤتمر الحوار والمشاورات الجارية في السعودية، بوصفها فرصة لإعادة ترتيب الأولويات السياسية، والاستماع لصوت الشارع، خصوصًا في الجنوب، حيث تصاعد الحديث عن ضرورة الاعتراف بالوجود السياسي للجنوبيين كمدخل أساسي لأي تسوية قابلة للاستمرار. ومع ذلك، يؤكد مراقبون أن تركيز بعض الفاعلين السياسيين على المناصب والموارد في الغرف المغلقة، بينما يطرح الشارع أسئلة عن الأرض والهوية، يهدد بإبقاء الأزمة مفتوحة وتعميق الانقسام، بدلًا من معالجة جذورها.
في تصريح للكاتب والمحلل السياسي نبيل الصوفي، قال: "ما نشهده في الجنوب اليوم ليس مجرد احتجاجات على وضع اقتصادي متردٍ، بل هو انتفاضة على الإقصاء السياسي والموروثات القديمة للسيطرة المركزية. الناس يريدون دولة تحترم وجودهم، لا مجرد وظائف أو مرتبات خارج البلاد. الفارق بين الواقع الجنوبي وما يدور في صالات الشمال واضح: هناك الشارع يصرخ من أجل الوطن، وهناك النخب تتحاور حول حصص ومناصب وكأن الأرض ليست موجودة."
وأضاف الصوفي: "اليأس أصبح مهيمنًا، والناس يعون أن القيم الأساسية التي فقدوها—الأرض، الحقوق، الهوية—لا تعود إلا من خلال معركة سياسية مستمرة ووعي جماعي متصاعد. الحرب، بالنسبة للجنوبيين، لم تعد مجرد مواجهة على الجبهة، بل هي سباق على الموقف والقضية والهوية."
وتابع: "يجب أن يبحث الشماليون عن أنفسهم في قلوبهم وعقولهم كشماليين قبل كل شيء، بغض النظر عن موقفهم من الجنوب. هذا البحث عن الشمال داخليًا—في الفكر والموقف السياسي—هو الشرط الأساسي لأي حوار مستدام. بدون ذلك، سيبقى كل اتفاق أو تسوية مجرد ورقة على الطاولة لا صلة لها بالواقع المعيشي والسياسي للناس."
ويعكس الحراك الشعبي في الجنوب حالة استنفار ووعي جماعي لمواجهة السياسات القديمة التي تحتكر الموارد وتقسم الوطن. ويؤكد المراقبون أن أي حل سياسي مستقبلي لن يكتب له النجاح ما لم ينطلق من استعادة المعنى الوطني للقضية اليمنية، شمالًا وجنوبًا، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، ومراعاة تطلعات الناس الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بوطن ودولة، لا بمجرد وظائف أو مكاسب آنية.
ويرى الصوفي أن تجاهل هذه الأسئلة سيعمّق الانقسامات ويزيد شعور الجنوبيين بالإقصاء، ويحوّل أي تسوية سياسية إلى مجرد محصلة تفاوضية بين النخب، دون أن تعكس إرادة المواطنين الذين يطالبون بالوجود السياسي الفعلي والأرض والحقوق المسلوبة.
>
