تكثيف الرحلات بين صلالة والحديدة.. مؤشرات متصاعدة على مسار تهريب منظم

السياسية - منذ 42 دقيقة
الحديدة، نيوزيمن، خاص:

تشير معطيات ميدانية وسياسية متطابقة إلى تصاعد غير مسبوق في حركة الشحن البحري بين ميناء صلالة في سلطنة عُمان وميناء الصليف بمحافظة الحديدة الخاضع لسيطرة ميليشيات الحوثي، في خطوة تُعدّ تحوّلاً لافتاً في بنية خطوط الإمداد التي تعتمد عليها الجماعة خلال السنوات الأخيرة. 

هذا التحول يأتي في توقيت حساس يشهد تشديداً حكومياً ورقابياً على المنافذ البرية الشرقية، خصوصاً منفذ شحن والمهرة، بعد ضبط عشرات الشحنات المتجهة نحو الحوثيين، الأمر الذي دفع الجماعة إلى إعادة هندسة خطوط الإمداد عبر البحر وتحت غطاء تجاري ظاهر، لكن مع مؤشرات قوية على طابع عمليات تهريبية منظمة تديرها شبكات مرتبطة بطهران وقيادات حوثية تعمل من داخل الأراضي العُمانية.

غطاء تجاري

مؤخرًا أعلنت شركة "الخوبري وفارس" للشحن والتخليص الجمركي عن تدشين خط شحن بحري جديد ومباشر يربط بين ميناء صلالة في سلطنة عُمان وميناء الصليف بالحديدة، مؤكدة في بلاغ رسمي وصول أول سفينة عبر هذا المسار في 10 نوفمبر 2025م. 

ورغم الطابع التجاري الواضح للخط، فإن مصادر مطلعة تؤكد أن هذه الخطوة تتجاوز البعد اللوجستي التقليدي لتتحول إلى آلية بديلة لنقل البضائع إلى مناطق سيطرة الحوثيين، في ظل تشديد الرقابة الحكومية على المنفذ البري في شحن، الذي بات يخضع خلال الفترة الماضية لسلسلة من الإجراءات التنظيمية الصارمة، شملت التدقيق الجمركي الكامل للكميات المستوردة، ورصد وتتبع مصدر التمويل، وكشف محاولات التلاعب بالفواتير ووثائق الشحن.

وتوضح المصادر أن إنشاء هذا الخط البحري جاء بعد تراكم عشرات حالات الضبط الرسمية لشحنات أسلحة ومخدرات ومواد حساسة كانت تتسلل عبر المنفذ البري تحت مسميات تجارية، وهو ما دفع الجماعة إلى البحث عن طرق بديلة تقلل احتمالات الكشف وتخفف الضغط الأمني والجمركي. 

وترى المصادر أن الانتقال نحو البحر—عبر خط صلالة/الصليف—يمنح الميليشيات مساحة أكبر للمناورة، خصوصاً أن الرقابة البحرية في تلك المنطقة ليست بالصرامة نفسها المطبّقة على المنافذ البرية الشرقية، كما أن طبيعة الشحنات المعبئة داخل حاويات بحرية كبيرة تعزز قدرة الشركات المرتبطة بالحوثيين على تمرير مواد محظورة أو تجهيزات مزدوجة الاستخدام داخل شحنات مدنية، مستفيدة من تعقيدات التفتيش البحري ومرونة التصاريح التجارية.

وتشير المعلومات كذلك إلى أن العديد من الشركات المرتبطة بالحوثيين—والتي كانت تعتمد خلال السنوات الماضية على منفذ شحن—اضطرت إلى الانسحاب التدريجي من ذلك المنفذ بعد إلزام المستوردين باتباع تعليمات اللجنة الوطنية لتمويل الواردات، التي شددت على ضرورة توثيق جميع عمليات الدفع، وإجراء الجمركة الكاملة والدقيقة، ومنع دخول أي مواد لا تحمل بيانات واضحة أو منشأ معلوم. 

ومع تضييق دائرة الرقابة على هذه الشركات، اتجهت إلى فتح خطوط بحرية مباشرة عبر صلالة، مستغلة توسع الأنشطة التجارية في الميناء العُماني لتغطية عمليات نقل متباينة، بعضها—وفق المصادر—يُشتبه بأنه يشمل عمليات تهريب محكمة تُدار بعناية عبر وسطاء وشركات واجهة، بما يسمح بإيصال المواد المطلوبة إلى الجماعة دون المرور بالمنافذ الحكومية التي باتت تعيق تدفق تلك الشحنات.

تأكيدات دولية

تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن بشأن اليمن وثّقت خلال أعوام متتالية تحوّل الأراضي العُمانية إلى محطة رئيسية لعمليات تهريب تقودها شبكات وهمية تديرها شخصيات إيرانية وحوثية مقيمة في مسقط.

يذكر الفريق في تقريره الأخير (أغسطس 2024 – يوليو 2025) أن الحوثيين واصلوا تلقي تجهيزات عسكرية نوعية، بينها صواريخ وطائرات مسيّرة وقذائف مضادة للطائرات وأجهزة اتصالات يصل بعضها عبر الأراضي العُمانية، إضافة إلى محاولات تهريب بحرية زادت من قدرات الجماعة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.

التقرير يؤكد أن بعض هذه الإمدادات يصل عبر مرافق بحرية وبرية في خرق صريح لقراري مجلس الأمن 2216 (2015) الخاص بحظر السلاح على الحوثيين، و 2231 (2015) الخاص بالقيود المتعلقة بنقل الأسلحة الإيرانية بعد الاتفاق النووي.

ورغم القيود الدولية، نجحت إيران في إيجاد مسارات بديلة لإيصال الأسلحة إلى الحوثيين، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية والسياسية لسلطنة عُمان. تقرير استخباراتي فرنسي نشرته صحيفة "أنتلجنس أون لاين" كشف وجود "لوبي إيراني" يعمل بحرية داخل مسقط، مع تحويل محافظة ظفار—المتاخمة للحدود اليمنية—إلى واحدة من أهم منصات تهريب الأسلحة باتجاه اليمن.

ويشير التقرير إلى أن شخصيات عُمانية نافذة، بينها مسؤولون محليون في ظفار، تربطهم علاقات وثيقة بإيران، وأن الجنرال سلطان بن محمد النعماني—وزير مكتب قصر السلطان والمشرف على جهاز أمن الدولة—يعد أحد أبرز الداعمين لمسارات التنسيق مع طهران.

وتتبع الشبكات الطريق البري الممتد عبر المهرة – حضرموت – شبوة – البيضاء – صعدة وصولاً إلى مناطق الحوثيين. وكشف محافظ مأرب الشيخ سلطان العرادة سابقاً عن ضبط ثلاث شاحنات تحمل لوحات عُمانية محملة بأسلحة في طريقها للجماعة، وهي وقائع تتقاطع مع تقرير نشرته صحيفة الوطن السعودية بشأن "أسلحة تمر عبر دولة شقيقة".

وترى "أنتلجنس أون لاين" أن مطار صلالة وبعض الجزر القريبة يستخدمان كـ"أماكن تخزين" للعتاد المتجه للحوثيين، مستفيدة من ضعف سيطرة مسقط الكاملة على هذه المناطق الطرفية.

محطة استخباراتية حوثية داخل عُمان

مصادر استخباراتية يمنية تؤكد أن عناصر من جهاز أمن ومخابرات الحوثيين تنشط منذ سنوات داخل عُمان بهويات مدنية، وأن قيادات حوثية تتنقل عبر الحدود مستخدمة جوازات مزورة صادرة من صنعاء. وبحسب المصادر، أنشأت الجماعة "محطة أمنية" في عدة مدن عُمانية، إضافة إلى مكاتب للملاحة والتجارة سمحت بها السلطات العُمانية ووفرت لها تسهيلات واسعة.

ومنذ عام 2015 تستضيف مسقط وفد الحوثيين المفاوض، إضافة إلى قيادات بارزة بينها عبدالسلام فليتة (المعروف بمحمد عبدالسلام) وعبدالملك العجري، اللذين حصلا على امتيازات وتحركات واسعة داخل السلطنة. وتشكل مسقط مركزاً لاجتماعات قيادات الجماعة مع ممثلين إيرانيين ومع أطراف دولية وإقليمية، كما لعبت دور الوسيط في ملفات الأسرى والصفقات الثنائية.

وتفيد المصادر بأن محطة المخابرات الحوثية في مسقط تشرف على عمليات الدعم اللوجستي وتدفق السلاح والتقنيات العسكرية عبر خطوط التهريب البحرية والبرية، وترتبط بنظام تنسيق مباشر مع أجهزة الأمن الإيرانية، بما في ذلك فيلق القدس وشبكات تمويل تسهّل نقل الأموال والمعدات.

ولا تقتصر الخطوط البرية القادمة من عُمان على عمليات تهريب الأسلحة، بل تشمل أيضاً تهريب خبراء أجانب، ومن خلال هذه المسارات جرى تهريب سفير إيران لدى الحوثيين سابقاً حسن إيرلو قبل إعلان وفاته في ديسمبر 2021.