هنا مديرية بني مطر، والتي يتجسّد فيها مشهد يؤرق الضمير قبل أن يُفجع الوجدان: ففي قرية الظفير امرأة مسنّة تُقتلع من بيتها قسرًا، تُساق بعجزها وضعفها أمام جرافات حوثية تهدم منزلها الذي بُني بعرق السنين، وتدفن تحته عمرًا كاملًا من الكدّ والصبر. لم تشفع دموعها، ولم يُحسب لشيخوختها حساب؛ فالأمر صدر، والأرض أُدرجت ضمن غنائم المشروع السلالي، والمشرف الحوثي المتورّد لا يتراجع.
هذه الجريمة ليست حادثة عابرة، بل نموذج صارخ لمأساة واسعة اسمها بني مطر، وضحيتها كل يمني ما زال يؤمن أن الأرض شرف، وأن البيت ليس سلعة. فما تمارسه ميليشيات العدو الحوثي هنا هو نهب منظّم وممنهج، يُغلّف بمصطلحات مضلّلة كـ«إعادة تنظيم» و«إعادة تخطيط»، بينما الحقيقة الصارخة هي غزو مباشر للأرض والكرامة والحقوق، تقوده ميليشيا إرهابية ترى في الوطن غنيمة، وفي المواطن خصمًا يجب إخضاعه.
منذ انقلابهم الأسود عام 2014، حوّل الحوثيون هيئة الأراضي والمساحة إلى ذراع للسطو، ومكتب لتزوير الوثائق، ومنصّة لإصدار قرارات النهب. تُكتب الأوامر في الغرف المغلقة، ثم تُنفّذ بقوة السلاح. كل من يعترض يُستهدف: اعتقال، إهانة، تهجير قسري، وكأن الأرض بلا أصحاب، وكأن التاريخ يمكن محوه بجرافة.
آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية نُهبت في بني مطر، وصودرت تحت فوهات البنادق وتم تخطيطها ك قطع اراضي لبناء مدن سكنية ويتم بيعها من قبل هولاء الاوباش. لم تسلم أراضي الأوقاف، ولا أراضي الدولة، ولا الملكيات الخاصة؛ فالطمع الحوثي بلا سقف. قرى كاملة مثل الجعادب، والمساجد، والظفير، ومسيب، والبروية، وقاع سهمان، ومنطقة متنة، تحوّلت إلى ساحات رعب مفتوحة، تطوّقها الأطقم المسلحة ليلًا ونهارًا، تحرس أراضي مسلوبة، وتفرض سلطة العصابة بالقوة.
وفي قلب هذا المستنقع يقف المدعو أبو حيدر جحاف، مدير ما يُسمّى «اللجنة العسكرية للأراضي»، التي لا تعدو كونها شركة سوداء لتوزيع الغنائم على المشرفين والقيادات الكهنوتية الحوثية. هذا النموذج الفجّ للفساد يمثّل عنوانًا لسطو شامل ينسف العدالة، ويحوّل القانون إلى أداة قمع، ويهدّد ركائز المجتمع والسلم الأهلي.
ما يجري في بني مطر ليس مجرّد استيلاء على أرض، بل حرب مفتوحة على المواطن اليمني الحر. يريد الحوثي تجريد الإنسان من أرضه ليُجرّده من صوته، وكسر إرادته ليعيش تابعًا ذليلًا في وطن يُدار بعقلية الغنيمة والسلالة. إنها محاولة لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة، وتحويله إلى طابور صامت من المقهورين.
ولا يمكن فصل هذا الحقد الحوثي عن جذوره التاريخية؛ فبني مطر هي الأرض التي انجبت كوكبة من الثوار الجمهوريون الذين مرغوا أنوف الأئمة من بيت حميد الدين في ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، وقدّمت في صبيحة ذلك اليوم أول شهدائها، الملازم محمد الشراعي، ابن بني مطر، الذي هاجم دار البشائر وارتقى فداءً للجمهورية. وهي ذاتها التي كسرت أنوف الملكيين في حصار السبعين، وبرجالها الابطال ومن جبالها الشامخة دخلت القوات الجمهورية إلى صنعاء، لتكسر الحصار وتكتب صفحة النصر. لذلك ينتقم الحوثي اليوم من التاريخ قبل الإنسان، ويستهدف الأرض لأنها شاهدة على هزيمته.
إنها معركة الأرض والإنسان، ولا نصر فيها إلا لمن تمسّك بحقه ورفض الخضوع. فلتكن صرخة كل يمني، اليوم وغدًا:
لن تُنهب أرضي، لن تُباع كرامتي، ولن يكون اليمن غنيمة للحوثيين أتباع إيران.
>
